مدونة المعرفة والتأصيل

مدونة المعرفة والتأصيل

السبت، 24 سبتمبر 2016

توضيح بشأن منظومتي " زينة الشوافع في دراسة العلوم العشرة على مذهب ابن شافع "


سبق أن نشرت قبل أسابيع منظومة على بحر الرجز تتكوّن من (100) بيت، وكان نشرها كما كتبت عليها [ للمراجعة ] ، وكتبت عليها أيضا [ نسخة أولية ] ، ومعنى ذلك أنها ليست النسخة النهائية للمنظومة ، ولذلك لما نشرتها في بعض المنتديات كتبت فوقها ( أطلب من الإخوة أن يرسلوا ملاحظاتهم إلي عبر ...) وذكرت بريدي الالكتروني ، وكتبت أيضا في صفحة الفيسبوك ( تنبيه: أطلب من الإخوة إعلامي بالأخطاء والهفوات بعد النظر فيهما وبوركتم ) .
ربما يتساءل القارئ لماذا تحشر كل هذه التنبيهات السابقة ؟
والجواب أنني في مثل هذه المرحلة لم أكن منتظرا للتعيير على المنظومة وعلى ناظمها – ولو ضمنا وإجمالا ومن باب : إياك أعني واسمعي يا جارة!! – وإطلاق غليظ الألفاظ عليهما جزافا!!، من بعض طلبة العلم الذين كنا ننتظر منهم تصحيح خطئها وتقويم عوجها، وسواء كان مراده هذه المنظومة أو غيرها فإن مصارحة النصح للشخص – إن أمكن الخلوص إليه -  أولى له من نشرها على العموم بإطلاقاتها المتهورة ! .
ولهذا – ولاقتضاء المقام الوقوف عليه – سأقف مع مصادر المنظومة وسبب عدم ذكري إياها في نظمي :
أولا : المنظومة ليست من بنات الأفكار ، وشأنها في ذلك شأن أكثر المنظومات العلمية فهي تجري على مجهود سابق للناظم أو لغيره ، فهي إما نظم لكتاب أو مؤلف معيّن ، وإما نظم لمعلومات متفرقة في مصادر عدّة .
ثانيا : مصادر المنظومة ليس مصدرا واحدا – ككتاب أو بحث ونحوه – بل من ستة مصادر أو أكثر ، ما بين كتاب وبحث منشور ، ولتعدد المصادر رأيت أن ذكر بعضها في المنظومة إهمال للبعض الآخر ، وإيراد جميعها تطويل للمنظومة بما يخرجها عن مقصودها ، وقد كان القصد فيها الإيجاز .
ثالثا : ليس معنى أني تركت ذكر المصادر في نفس المنظومة أني أهملتها إطلاقا وبهذا تكون " سرقة علمية " !! والعياذ بالله ، ولكني ولله الحمد ذكرت جميع ما تذكرت من مصادر المنظمة – قبل التعيير المذكور -  في شرح لطيف وضعته عليها أسميته بـ " التعليق النافع على زينة الشوافع " – يسّر الله إتمامه - ، وبه تخرج عهدتي من باب " السرقة العلميّة " المشينة ، وهذا منهجي – ولله الحمد – مذ وضعت الحبر على القرطاس ، وبدأت الكتابة ، وسيلاحظه القارئ في منشوراتي جميعا من " مقال ، أو كتاب ، أو بحث " ، وكنت قد كتبت قبل لحظتي هذه بأيام في أحد الأماكن التي أنشر فيها تنبيها على ظاهرة السرقة العلميّة المنتشرة اليوم بين الباحثين والناقلين – وبعضهم أعرفه بشخصه ! -  وموقفي منها، ونصّه :( يذرعني القيء المعنوي عندما أرى طالب علم أو باحثا يأخذ عن غيره معلومات بنصها وحرفها، فيحليها بأحد الصفحات التي ينشر فيها ، ثم يكتب عليها اسمه ! أو يهملها فلا يكتب عليها لا اسمه ولا اسم صاحبه ليظن القارئ أنه من إبداعاته .... ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا .) ثم قلت :( الظاهرة أصبحت الآن ديدن بعض الطلاب ، حتى إذا اكتحلت العين بمنشوره يطرق إلى سويداء القلب قول الأول :" شنشنة أعرفها من أخزم " ، ولذا ومن هذا المنبر أنصح جميع الإخوة الانتهاء عن مثل هذا الأمر الذي يترجم عن حالة مذمومة في سلم التعلم تسمى بالتزبب قبل التحصرم ) .
رابعا : ومع هذا كله فإن إهمال مصدر المنظومة في المنظومة – بالتعيين - من عادة بعض كبار الناظمين العلماء كما فعله الشيخ العثيمين في نظمه لقواعد الفقه، و الفضفري في ألفيته في الفقه الحنبلي فإنه أخذها من زاد المستقنع وشرحه الروض كما أشار إليه الشيخ ابن عقيل في تقديمه له ، وقبلهما ابن رسلان الذي اعتمد في نظمه المسمى بـ ( صفوة الزبد ) على زبد البارزي بل قال بعض العلماء : أنه نظم لزبد البارزي مع أنه لم يشر إلى ذلك في المنظومة – حسب علمي - ، إن لم يكن اسمها دالا على ذلك ، ومرتقى الوصول لابن عاصم الغرناطي الذي قال عنه أحد العلماء :" وبعمل أدنى مقارنة بين الموافقات ومنظومة مرتقى الوصول ترى قوة الرابطة بين المصنفين وقرب الوشيجة بينهما " وابن عاصم تلميذ الشاطبي ،  ولو ذهبنا إلى المنثور واستخرجنا منه ما هو على هذا الغرار لوجدنا منه الكثير، فهل يقال في حقهم أنهم نبذوا الأمانة العلمية وراء ظهورهم ، وأنهم كلابس ثوبي زور ... الخ من قاموس الألفاظ الغليظة !! .
ورحم الله السخاوي إذ قال :
للحرف ميزان فلا تك طاغيا    فيه ولا تكُ مخسر الميزان
خامسا : لا أرى بأسا في سرد أهم مصادر المنظومة هنا :
1-             بحث بعنوان " منهجية التفقه في المذهب الشافعي بعلومه العشرة " كتبه الشيخ محمد سالم البحيري ، وقد أخذت منه ما يتعلق بالفنون العشرة وزدت عليه من غيره ، وهو مع وجازته كثير الفوائد والفرائد ، وقد نشره الكاتب في بعض المنتديات العلمية .
2-             كتاب "القاموس الفقهي في المذهب الشافعي " أو " دراسة موسوعيّة لمصطلحات الشافعية " ، كتبه الشيخ عبد البصير بن سليمان المليباري ، وهو كتاب قيم ، صدرت طبعته الأولى في هذا العام ( 2016 ) من دار النور بالأردن ، ومن فرعها في معرض الرياض الدولي اقتنيت الكتاب ، واعتمدت عليه في الفصل الأخير .
3-             مقدمات كتاب " موقف الاتجاه الحداثي من الإمام الشافعي " عرض ونقد ، كتبه الدكتور أحمد قوشتي ، وهو نافع أيضا في بابه، كما صدرت طبعته الأولى أيضا في هذا العام ( 2016 ) من مركز التأصيل للدراسات والبحوث بجدّة ، أخذت منه شيئا في التمهيد .
4-             المذهب الشافعي ، دراسة عن أهم مصطلحاته وأشهر مصنفاته ومراتب الترجيح فيه ، لمحمد مغربية ، أخذت عنه أشياء في ذكر العلوم العشرة وما ألف فيها .
5-             مقدمات كتاب " الرسالة " للعلامة أحمد شاكر ، أخذت منه شيئا في التمهيد
6-             الاجتهاد وطبقات مجتهدي الشافعي، أخذت منه شيئا في التمهيد .
وسوى المذكور قليل .

سادسا : أنصح الكتاب والقراء – جميعا - بالتحول من شهوة النقد إلى نقد الشهوة، ومن حب الظهور إلى ظهور الحب، ومن هوي التغلب إلى التغلب على الهوى، والله المستعان وعليه التكلان .

لتحميل المنظومة :

مع زوايا الطنطاوي في كتابه " من غزل الفقهاء " [ ركن الكتاب ]


الغزل والفقهاء ، مصطلحان ربما ينبو اقترانهما عن أسماع بعض القراء ، وذلك لأن الغزل في سجلات تاريخه اقترن بالشعراء والأدباء أو من جهة أخرى بالمجون وذويه، في حين ارتبط اسم العلماء بالزهد وروّاد رحاب المساجد وكراسي الحديث والعلم، ما أدّى إلى عدم التزاوج بين المصطلحين، وبالأخص لدى الكادر المتخرج في الحوزات العلمية.
وباستيحاء المذكور من الواقع نقتصر على مسطور الطنطاوي في كلماته الأولى من الكتاب عن مقولة ذاك الشيخ المتزمت – كما وصفه هو - : ليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب أو يعرضوا للغزل !.
نعم، لأن الشريف فوق العادي في سمته وكلمه ومكتوبه، ولا يُستحسن له الخوض في أمر عرف بمن دونه، ووُسم إشهاره والاشتهار به بأرباب المجون.
ولكن المفطور البشري لا يفرق بين الجنس الذي فطر فيه، ومهما علا شأنه وارتفع كعبه فهو في المفطور فيه كسائر بني جنسه ، وإن اختلف ذاك الجنس في حفاظ مفطوره على أصله أو الغلو فيه والتفريط عنه، وهذا ما أراد الطنطاوي أن يبينه في الصفحات التي جمعها من غزل [المفطور البشري] العلماء .
ولما كان الشعر -قسيم المنثور- روضة المحبين، وجنّة المشتاقين، يطفئون به لهيب الاشتياق، عند تذكر العفيفات العتاق ؛ اقتصر كاتبنا على سرد منقوله عن العلماء، بعد توطئة جذابة عن الشعر ورفعة مكانته.
فكانت بداية رحلته الشعرية الغزلية العلمائية من جوهرة الأشعار الالتماسية المرصّعة بالتشبيب الغزلي العفيف :
وما سعاد غداة البين إذ برزت       كأنها   منهل   بالراح   معلول
هيفاء   مقبلة  عجزاء   مدبرة       لا يشتكى قصر منها ولا طول
ثمّ يمرّ الرّكب الغزلي بجهابذة من العلماء، فيقرُونه ويزودونه، ويقرظ بعضهم شعره بقوله " لا بد للمصدور من أن ينفث " .
ولكنّ العثرة في الغزل المنسوب إلى العلماء : وجود المجون فيه والفحش، وما لا يرتضيه لنفسه العامي فضلا عن العالم.
حاشا العلماء – رضوان الله عليهم – أن أنسب إليهم ذاك الغزل الطغياني غير العفيف، ولكن اللوم في ذلك على:
-      واضعيه ومؤلفيه، الذين نسبوه إلى العلماء تحت لبوس أي غرض كان.
-      وناقليه عنهم من الأدباء والكتاب دون تمحيص سنده، والتثبت عنه.
فما الذي يحمل عالما مثل الإمام عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود –أحد الفقهاء السبعة- أن يتغزّل بامرأة ويقول:
تجنبت   إتيان   الحبيب  تأثما       ألا أن هجران  الحبيب هو الاثم !
فذق هجرها إن كنت تزعم أنه      رشاد  ألا يا ربما  كذب  الزعم!
ولئن حملنا مقصوده – كما فعله كاتبنا – على ما ربط العقد، أو أباحه ملك اليمين ؛ فصعب أن نبرر لأبي القاسم القشيري في قوله – إن صح عنه - :
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا     ورأيت  كيف  تكرر  التوديعا !
لعلمت أن من الدموع محدثا    وعلمت أن من الحديث دموعا!
وأين العفة والعفاف والحب الطبيعي من وصل الأمرد ، ونسبة الافتتان به إلى أحد أكابر العلماء في عصره، قائلا فيه :
لكن خشيت بأن يقول عواذلي      قد جُنّ هذا الشيخ في هذا الصبي !!
 فالباب كثير الشوك ، ملتوي الطرق ، دقيق المسلك ، ضيق المخرج ، يحتاج إلى تؤدة وتروي ، وتثبت وتبيّن ، فكل منقول في دواوين الأدب عن أشراف العلماء في الحب والغزل لا يصح نسبته إليهم، وخاصة إذا تضمّن فحشا في الكلام، وفجورا في المقال .

ولو وقفت على الموضوعات الشعريّة المنسوبة إلى الأئمة – رضوان الله عليهم – لأخذتك الحميّة بالصّداع الكلّي، فانظر – إن شئت – تفنيدها في "روضة" ابن القيم، و"غذاء"السفاريني.

إمام الأدب الجاحظ، ورسالته في (مدح الكتب ، والحث على جمعها ) [ ركن الكتاب ]



رحمك الله يا عملاق الأدب وعظيمه، كتبت فأجدت، وأقرضت سواك ما لا يستطيعون أن يوفوه لك، من فرط كرمك، ووفرة حكمتك، ودهاء عقلك، وحرفة قلمك، وطوع قرطاسك، وضعت القلم على الكتاب لتتكلم عن الكتاب، واستفرغت خط الدواة لإبقاء فضل المكتوب والكتاب به.
كثيرة هي تلك الكتب التي تتكلم عن الكتاب – مفردة أو في ثنايا كتاب - ، ولكن قل أن تجد منها ما يضارع رسالة إمام الأدب وشيخه العلامة الجاحظ أبي عثمان عمرو بن بحر، في إيجاز الألفاظ مع استيفاء المعاني، وفي الرد الحكيم مع التقرير اللطيف، وفي جزالة الكلم والألفاظ مع وضوح المراد منها، وفي الأدب المذهب والبلاغة المرصعة بها ، وفي التحميس والتشحيذ ، ووقود الأذهان وإيقاظ الألباب النائمة بل والمتيقظة  .
وكما قال أديبنا ولا تعليق على كلامه فإن الكتاب : " نعم الذخير والعقدة، ونعم الجليس والعمدة"، " مؤنس لا ينام إلا بنومك ، ولا ينطق إلا بما تهوى "، " يجمع التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة "، وهو" مع خفة ثقله ، وصغر حجمه، صامت ما أسكتّه ، وبليغ ما استنطقته " ، " الجليس الذي لا يغريك ، والصديق الذي لا يطريك " " إن نظرت إليه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بيانك، وفخم ألفاظك، وبجح نفسك، وعمر صدرك"، " يطيعك بالليل طاعته لك بالنهار ، وبالسفر طاعته لك بالحضر"، " يشغلك عن شخف البيت ، وعن اعتياد الراحة وعن اللعب ".
ما أجمل القول ، وما أصدق الوصف ، وما أحسن اللهجة.
اجتهد – أخي القارئ- في طلبة هذه الرسالة، ومتع مقلتيك بها، وكرّر نظرك إليها، واستعن بها كلما خارت قواك العاطفية، وضعفت همّتك، تجدها معك صادقة، ولنصحك جاهدة، لا تخاف عنها طولا ، ولا ركاكة ، ولا إيجازا مخلا ، ولا قلة فائدة ، كيف وكاتبها معروف بالتأليف الممتع، والجمع المقنع، والبيان ..... ، واللغة الرفيعة ، والكتابة البديعة ، إذا ألف فهو الإمام ومن بعده المؤتمون ، وإذا تكلم بلسان قلمه فهو الخطيب وغيره المستمعون .
أما عن الكتاب والقراءة فليس لي بعد الجاحظ تعليق عليها إلا أني أتذكر أني قلت لفضلاء استنصحوني في هذا الباب : لو افترضنا أن شخصين اشتغل أحدهما في الحلقات، والأخذ من أفواه الرجال سائر عمره ، وجميع دهره ، ولم يلتفت إلى القراءة والمطالعة، والغوص في بطون الكتب، وأصبح نكرة في المكتبات ، واستنكرته عيون الصفحات، واشتغل الآخر في المطالعة والقراءة والعيش مع الكتاب ، ولم يأبه لدرر أفواه العلماء ، ولم ينتظم في الحلقات العلمية، وابتعد عن الأكابر إذا جلسوا في الزوايا ، فضلا عن الأصاغر والأقران ، فلا شك أن كلا منهما ينقصه جانب عظيم من جوانب العلم ، وأنهما يعومان في أمواج ليس لها بر ، ويعرجان برجل واحدة في سبيل العلم ، إلا أن الأخير الذي عرف طريقه إلى الكتاب والمكتبات ، وجوّد استعماله لها ، وأحسن تعامله مع الكتاب أكثر نفعا وانتفاعا من الآخر .
وقد وقفت على ما يؤيد كلامي في هذه الرسالة حيث قال الجاحظ :" وعرفت به [ أي الكتاب ] في شهر ، ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر " .
فدونك يا طالب العلم الكتاب، فلا تكتف بقراءته بل أعطه ( حق القراءة ) ، وعش فيه  ولا تعش معه ، ولا تتخذه هواية بل اتخذه حياة .
وإن حدثتك نفسك بما يوهن علاقتك مع الكتاب فعاود قراءة لؤلؤة الجاحظ هذه، وهي رسالة أعدها لأمثالك تعريفا لك بفضل الكتاب، وشحذا لذهنك بالكلم العجاب .
وقد نشرت رسالة الجاحظ مفردة ولأول مرة – حسب العلم – في مجلة المجمع العلمي العراقي، عام 1380 ه ، المجلد الثامن – من صـ 335 إلى صـ 342 ، بتحقيق الفاضل : إبراهيم السامرائي ، وقد أورد الجاحظ نفسه في (الحيوان) أشياء منها ، لا كلها .
كلمة ختامية :
لا تمنعنا الجسارة العقلية لدى الجاحظ ، واعتزاله – وقد وصف بخطيب المعتزلة([1]) - ، والمنسوب إليه مما خولف فيه – صحت أو لم تصح – وبدعية بعض مقالاته؛ أن نقر له فضله، وتقدّمه على الكثير في مجاله، وجودة تأليفه، وصدارة مقامه بين الأدباء والكتاب ، وقد دل على هذا عدم استغناء أكثر الفرق عن كتبه ومصنفاته، واستشهادهم بمقولاته ، وفرحهم بكثير من مصنّفاته.
فرحمه الله وعفا عنه وعن جميع علماء المسلمين .



([1]) ذكره ابن تيمية الحفيد في الفتاوى المجموعة عنه 17/392 ، ووصف ابن قتيبة بخطيب أهل السنة .

الضيفنة الفكرية ( قصيدة )

تمهيد ( واقع النص الشعري ) :
الضيافنة الفكريون هم المستوفدون لغريب الأفكار ، وبعيد الآراء ، المصفقون لكل فكر وافد وإن لم يتسق مع مبادئ وثوابت الدين الإسلامي ، المتلقفون لحشاياه دون نظر في ماهيته ومآلاته ، واطلاع على مُنطلقاته التاريخية ، وتدابير مؤسساته المعاصرة .
هم المنفعلون تحت سطوة التأثير الغربي ، المنبهرون لطفرته الحضارية المادية البحتة ، المتأثرون بهم في الفكر والسلوك ، وأحيانا في بعض الأيديولوجيات والميتافيزيقيات ، ووجهةِ نظرهم للكون والحياة .
وهو ما أدى إلى انعكاس التأثر المذكور على حياتهم الثقافية ، فحاربوا التراث الديني بحجة كونه العامل الأكبر لتخلف الشعوب والدول ! خصوصا في العالم الإسلامي المعاصر ، ورموا العقلية الدينية بالرجعية والتخلف ! وأنها لا تستطيع المشاركة في نهضة ما بعد القرن العشرين ، وغير ذلك من الادعاءات والاتهامات الفضفاضة .
ولست في مقام التنكيت على أباطيلهم ، وإنما القصد الإشارة إلى مرمى النص الشعري الناعت لحال الضيافنة الفكريين .
والضيفن : الذي يتبع الضيف متطفلا ، وأصله الكلمة ضيف ، زيد عليها نون ، فأدت إلى تغير المعنى الأصلي ، وكان العرب يستثقلون الضيفن – الطفيلي – الذي يأتي مع الضيف دون دعوة سابقة ، كما قال شاعرهم :
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن *** فأودى بما تُقرى الضيوف الضيافن
ثريد كأن السمن في حجراته *** نجوم الثريا أو  عيون  الضياون[1]
واستعرت اللفظ هنا مع عدم مطابقته للمعنى الأصلي من سائر الوجوه إلا أن بعض الصور في المعنى المستعار له تلفى في المعنى الأصلي ، فكون الضيافنة الفكريين يستوفدون أفكارا لا يدركون منطلقاتها ومُخرجاتها ، واستثقال أهل الإسلام لمثلهم ، يشبه ورود الضيفن الطفيلي إلى موائد لا يعرف عن سميتها وسلامتها شيئا ، واستثقال الناس لهم .
(النص):
ضَيافنُ في الأفكار والعلمِ والقصَد *** إذا جاءهم يوما عن الغرب مُعتقد
وإن وجدوا الشرع الحنيف مخالفا *** أثاروا ضجيجا ذا التخلف فليُرد
يدوسون  بالأقدام راية  دينهم *** وقانون شرع الله  عندهمُ  صَفد
وأقبح موروث لدى القوم شِرعةٌ *** لها الحق في التحريم والعكسُ مُعتمَد
إذا قيل قال الله ، قال رسوله *** يُجيبك بالرجعِيْ، وذا القول قد يُضد
وإن نُسبت يوماً إلى الغرب فكرةٌ *** تكففها في الحال والقلبُ قد عقَد
سقوطُ خَلاق القوم عندهمُ بدَت *** تحررَ  أفكارٍ  ويا  ليتهُ   انتقَد
ولكن  شرع الله  غاية رجعة *** لديه وفي هذي الحضارة  مُفتقَد
يُذبذب بين الفيلقين تراه  في *** معاقلنا والقلب للغرب  قد  ورد
يداعب  إلحاداً  ليرضي ملوكه *** ولكنْ رضى الرّحمن حقاً قد ابتعد
فيا رب ثبتنا على الحق والتقى *** مماتاً  ومحيا  غافرَ الذنب والصمد
………………………………………………………………………………….
  • الهوامش :
 [1] الكنز اللّغوي في اللَسَن العربي لابن السكيت صـ 62 .
( غريب القصيدة ) :
ضيافن : تقدم .
 صفْد : من صفَد بالفتح : شده وقيده بالسلاسل ، ويُفتح المصدر في البيت لاستقامة الوزن .
والعكس معتمد : أي عكس التحريم وهو التحليل ، ومعناه : أنّهم يشمئزون من قصر التحليل والتحريم على الشريعة .
تكفف : مد كفه .
الفيلقين : تثنية فيلق : الكتيبة العظيمة من الجيش .
معاقل : جمع معقل : الملجأ .

الكتابة بين إجحاف اللّفظ وإهمال المعنى

حظِيت الكتابة قديماً وحديثا باكتراث قِطَبة اللّغة والبلاغة ، وتمحورت فيها كثيرٌ من أبحاثهم ودراساتهم النّظريّة ، وإمضاءاتهم التّأليفيّة ، وومضاتهم التعليميّة . فصّلوا في مضامين قواعدها وضوابطها ، ووضعوا معايير حسنها وجمالها ، مُحكِّمين أُسُسها ومبادئَها ومتحاكمين إليها .
سبروا معسول أقلام الكُتّاب ، وفرزوا بين الصحيح والسّقيم ، وأناروا أوجه الجمال والعذوبة في المكتوب وفق معاييرهم العلميّة أو الذّوقيّة ، فقدّموا أرباب الجمال الكتابي والرّونق التأليفي على أصحاب الأقلام الفارغة والكتابات القاصرة .
وقد تعدّد النّظر التّقييمي على الكتابة ، وتجاذب أطرافه خِدّان فنون اللغة ، وكانت قضيّة ( اللفظ والمعنى ) من أنير القضايا الّتي حظيت بعناية جمهرة من اللغويّين والبلاغيّين ، وأثارت أقلام مُنظّري اللغة ، ومتذوّقي البلاغة ، وفيها سُطّر عن العتابي قوله :” الألفاظ أجساد، والمعانى أرواح ؛ وإنما تراها بعيون القلوب ، فإذا قدّمت منها مؤخّرا ، أو أخّرت منها مقدّما أفسدت الصورة وغيّرت المعنى ؛ كما لو حوّل رأس إلى موضع يد ، أو يد إلى موضع رجل ، لتحوّلت الخلقة ، وتغيّرت الحلية . “[1] .
والموافقة بين اللفظ المكتوب والمعنى المقصود حسن رصافةٍ للكلام ، يجذب إليه الأذواق والعقول ، ويستدرّ من عُشّاق القراءة الوقوفَ مُطوّلاً عليه ، وتقليبَ صفحاته ، وتكرارَ نظرات التعجب الإيجابي إليه ، وتستحثّ خلايا الفكر أثناء قراءته لإبداع صنوه ، والاحتذاء بأثره .
ولئلاّ أنكب عن زمام صريمة المقال إلى ما أربت الكتابة عنه المئات – وكفى بالإشارة إلى أهميّة ( اللفظ والمعنى ) في اللغة إثارة – أرجع وأقول :
لم يكن يجاهر بالكتابة – العلميّة أو الأدبيّة أو غيرهما – في العهود السّابقة – عهود ما قبل الثّورة التِّقنيّة الحديثة – إلّا الإختصاصيّون والمتضلّعون فيما يكتبون عنه ، الّذين يراعون المكتوب ويحترمون القارئ ، فسادت عليهم سُحُب جمال الإبداع ، واستُعذبت أسطر الكتابات ، وندرت هفوات المقالات والمؤلّفات ، ممّا صيّرها مُبتغى أفئدة النّاس ، ومُلتقى مُقل الأكياس .
على خُطاهم في الكتابة دبّ المؤلّفون والكتّاب ، ومن سطور مكتوبهم قعّد المنظّرون أسس الكتابة والتدبيج ، فكانت حقّاً بهجة التّراث العربي .
الإجادة في الكتابة لم يكن مِحكّ الأدباء والبلاغيّين وأهل اللغة فحسبُ ؛ بل حَفَل بها أغلب خِلّان الفنون ، فراعوا التّناسق والتّرتيب في المكتوب ، وأَولَوا اهتماما بأُسس اللغة ومبادئها ، واجتهدوا في مَنح المُدوَّن نَكهة أدبيّة بلاغيّة ، يتمتّع بقراءته القارئ ويستنشق منه علماً وأدباً في نفس الوقت ، منهم من يقتصر على إبداء المعلومة بهيكلها اللغوي السّليم ، وتحسين ترتيبها وترصيفها ، والرّعاية على التّطابق بين اللفظ المُسَجَّل والمعنى المراد ، ومنهم من شذاها بعبير اللغة والأدب ، كالغراميّة أو ( غرامي صحيح ) في مصطلح الحديث ، ومنظومة الكلوذاني في أصول الدين وغيرهما .
 وعلى المنوال عُمّر سوق الكتابة ، وازدهرت أساليبُ الدّيباجة ، وأصبح النّاس فيها بين مُقدِم واثق بنفسه ، موثوق لدى النّاس ، وبين مُحجم عنها ، لا يعرض لنفسه مسامّ الكلم ، ومجامع النّقد ، ومن عرض مكتوبه فقد أبدى أسرار معرفته .
وبعد النّهضة التقنيّة الحديثة ، وتسرُّب النّاس إلى عصر ” حُريّة النّشر ” ، واستحداث خدمات البثّ المُتاحة ، وتوسّع دوائر النّشر المعرفي والثقافي ، وإطلاق عَنان الإعلام الّذي أصبح في مُتناول يد الجميع تلقّياً وإذاعةً ؛ تأثّر فنّ الكتابة به – عموماً – سلباً وإيجاباً .
فمع توفّر بيئة تقرأ للكاتب مهما كانت مهاراته العلميّة ، وقُدراته المعرفيّة ، لم تعد هناك قيودٌ عن إفشاء المكنون في الصّدور ، وأفلت الرّعشة عن نشره ، فأُخذ القلم بحقّه طورا وبدونه أخرى .
والمُحاولة وإن كانت بحدّ ذاتها محمودة إلّا أنّها لمّا تكون على حساب العلوم ، وتُشاع في حيّزٍ غير مناسبٍ لها ؛ تصبح مثلوبة ، فلكلّ فرسٍ ميدان ، ولكلّ مقالة مقام ، والمجيدون لرونقة التّرصيف كُثر ، ويُعدّون قسيماً لفرعين أهملت كلٌّ منهما أحد جناحي الكتابة ( اللفظ ، المعنى ) :
فثُلّة منهم يُحسنون الانتقاء من القواميس ، واستيراد الكلمات العويصة ، والجمل الرّكيكة ، والأمثال المستصعبة على الإدراك ، يعتنون بقالب الكلام أكثر من قلبه ، ويطغى الاهتمام بظاهر المقال لديهم على الاكتراث بباطنه ، فتضيع فكرة المقال بين أسطر شبيه ” المقامة !!” المكتوبة ، ويصعب على القارئ المستفيد إدراك المبنى قبل المعنى ، ومعلومٌ أنّ الفِكرَ إذا تشتّت صعُب عليه الإدراك والاستيعاب .
مثل هذا الصّنيع ليس مذموماً على الإطلاق ، بل يحسن في جنس الكتابات الأدبيّة أو اللّغويّة ، فغالباً ما يكون مقصوداً فيها ، ليغور المطّلع في أعماق اللغة ، وقَرارِ الأدب والبلاغة ، وليُروّض لسانه ، ويُرْبِي حصيلته اللغويّة ، ولكن الأمر لا يُستحسن في الكتابة المقصود منها إيصال فكرةٍ عن أمرٍ ما ، وذلك لصيرورته عتبةً صعبة الاجتياز أمامَ المدخل إلى المقال أو الكتابة .
أمّا الثلّة الأخرى فبعكس السّابقة ، غضوا الطرف عن سَبكِ المكتوب ، وترتيبه ، ومراعاة قواعده وأسسه اللّغويّة ، وودّعتهم سلامة التّعبير ، ونَقَاهة التوضيح ، فالكلمات مكسّرة ، والجمل مبعثرة ، والصياغة هشّة ، والقواعد مُقَلّصة غير مُطبّقة .
إحاطة مقصودهم ربما تُدرك بصعوبة وربما تعسُر على الفهم ، فسهولة مفرداتهم تقضي فهم شيء من مُرادهم ، وضآلة صياغتهم وتصريفهم تسبب عدم إدراك قصدهم .
والفيصل بين الفيلقين أنّ المحصول المعرفي واللغوي لدى الفريق الأوّل أكثر من الفريق الثاني في الغالب ، فالأوّلون يظهرون عضلاتهم العلميّة والآخرون يروّجون لبضاعتهم المزجاة .
وبما أنّ مِخلاة الكاتب كشكول القارئ فينبغي التوسّط في تسبيك الألفاظ ، والاهتمامُ باتساقها مع الفهم ، ومُراعاة وضوح الفكرة ، وسهولة إدراك القارئ عليها ، وإنّما يقوم الكلام ” بلفظ حامل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم ” [2]
وينبغي الاحتراز – قدرَ الوُسع – عن العُجمة اللغويّة الّتي تُرافق أقلام الكُتّاب غير العرب ، ولها مظاهرها وأسبابها وحُلولها – وربّما سنكتب عنها بإذن المولى في مقالاتنا القادمة – ، وهي إحدى بواعث التقصير عن الاكتراث بعلاقة اللّفظ بالمعنى ، وتُذهب أحياناً السلاسةَ عن صياغة الكلام ، والربطِ بين الجُمل ، وتدرّجِ الوصول إلى الأفكار الرّئيسيّة ، وحسنِ التمهيد والاختتام .
وصناعة الكتابة وصيانتها فنٌّ أُلّف عنها العديد من الكتب والرّسائل ، ويحسُن لرامي الكتابة الوقوف عليها ، ومطالعتها .[3]
  • الهوامش
[1] كتاب الصّناعتين – الكتابة والشّعر – لأبي هلال العسكري صـ169 .
[2] ما بين القوسين لأبي سليمان الخطابي في بيان إعجاز القُرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ27 .
[3] منها : كتاب الصناعتين الكتابة والشعر لأبي الهلال العسكري ، وصيانة الكتاب للغامدي ، وفي كتب ” أدب الكاتب ” فصول مهمة في الباب كأدب الكاتب لابن قتيبة ، وشرحه للجواليقي ، والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير ، وللبلاغيّين والأدباء في قضيّة ” اللفظ والمعنى ” خصوصاً بحوث كثيرة منشورة من أحسنها كتاب ” قضيّة اللّفظ والمعنى ونظريّة الشّعر عند العرب ” للودرني ، مطبوع بمجلّدين .