مدونة المعرفة والتأصيل

مدونة المعرفة والتأصيل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عن الصومال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عن الصومال. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 2 أكتوبر 2016

استدراكات حول المكتوب عن تاريخ الصومال (1)



1- قبل سنوات وقفت على مقال منشور في مجلة كانت تصدر من بعض الجهات – وهي جهة غير رسمية- حول الصومال : أصل التسمية ، ووقت الاشتهار ، وقد تناول الكاتب فيه اسم الصومال وأول من دوّنه في مصنّف – حسب قراءته – وظني في كلامه أنه يقصد ما كتبه المؤرخون والعلماء العرب في الشأن ، وأشار إلى أن أول من وقف عليه العلامة الشيخ عليّ بن الحسن الخزرجي، المتوفى سنة 822للهجرة[1]، في كتابه "العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرّسوليّة" باعتناء وتصحيح الشّيخ محمد علي الأكوع، 1/ 309 حيث قال :" وفيها توفي الفقيه الفاضل أحمد بن عبد الله الجبرتي وأصله من جبرت وهي ناحية من نواحي بلاد الصومال" اهــ.
والأمر كما ذكره كاتبنا فقد ورد لفظ الصومال في الصفحة المذكورة من الكتاب ، في طبعته الثانية التي نشرها مركز الدراسات والبحوث اليمني في صنعاء، عام 1403 للهجرة الموافق لـ 1983 للميلاد ، وطبعته دار الآداب في بيروت لبنان ، وهذه الطبعة الثانية هي أُولى طبعات دار الآداب للكتاب، بتصحيح ومراجعة المؤرخ اليمني المشهور محمد بن علي الأكوع ، وقد راجع تصحيح الشيخ محمد عسل للكتاب ، وصحح الأخطاء الواقعة فيه .
إلا أن الذي يعكر صفو الجو ورود لفظة ( السواد ) بدل ( الصومال ) في الطبعة التي طبعتها مطبعة الهلال بالفجالة مصر عام 1329 للهجرة ، الموافق لـ 1911 للميلاد ، ـ  1/374، وتعتبر هذه الطبعة أولى طبعات الكتاب ، بتصحيح الشيخ محمد بسيوني عسل.
وهذه الطبعة هي التي راجعها الأكوع وصححها ، ولا يبعد أن تكون لفظة (السواد) الواردة فيها، من الأخطاء الواقعة في الطبعة الأولى التي صححها عسل ، إلا أن المشكل أن الأكوع في تصحيحه الثاني للكتاب يعلق على المصحَّح في الهامش ويذكر لفظ الأصل، وخاصة إذا كان الخطأ جوهريا – مثل مسألتنا هذه -  ولم يكن إملائيا أو ما لا ينخرم معه المعنى ، والأكوع لم يعلق على هذا المكان ، ولم يذكر لفظ الأصل، مما يبعث الشك في كون لفظ ( الصومال ) جاء من عند النساخ !.
والفيصل في الأمر الوقوف على مخطوط الكتاب في هذا الموضع ، لنرى لفظ المؤلف ، وهل كان قصده ( الصومال ) أم ( السواد ) أم ربما ( السودان ) فهو محتمل ، وكثيرا ما يستعمله المؤرخون والجغرافيون القدامى وبعض العلماء لأهل المنطقة .
فإن كان منصوص كلامه لفظ ( الصومال ) فالخزرجي أول مؤلف عربي يذكر لفظ الصومال قبل الجيزاني الذي عاش في القرن العاشر الهجري، حسب الموجود والمعلوم ، وإن كان الثاني أو الثالث فالجيزاني الأول .

2- ذكر محقّق قسم شمال أفريقيا وبلاد السّودان من كتاب أنس المهج للشّريف الإدريسي[2] أنّ أوّل من ذكر بلاد ( بربرة ) الصومالية : محمد بن أحمد المقدسي (تـ381ه) في أحسن التّقاسيم [3]، وليس الأمر كما ذكره، فالمقدسي وإن ذكرها إلا أنه ليس أول من ذكر تلك البلاد من جغرافيي العرب ومؤرخيها فقد ذكرها قبله :
-  أبو محمّد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني اليمني (تـ 336 ه ) [4]، وهو أول من وقفت عليه من المؤرخين علما بأنه ليس أول من ذكر اسم هذه البلاد – حسب الموجود – فقد كانت مشهورة قبله بل وقبل العصر النبوي لدى العرب وغيرهم بهذا الاسم[5] .
-  الحسين بن علي المسعودي ( تـ 346ه) في كتابيه مروج الذهب ومعادن الجوهر [6]، والتنبيه والإشراف[7] ، وهو معاصر للهمداني .
ويأتي بعدهما المقدسي في أحسن التقاسيم .
3- ذكر أحد الكتاب في تعليق على مقال له حول تاريخ الصوماليين الأوائل أن ياقوت الحموي (626) هو أول من كتب عن الصوماليين باسم البرابرة قبل ألف عام ولم يكتب أحد قبله عنهم وصفا وجنسا ، حسب ما وقف عليه ، والحقيقة أن هناك من كتب عن الصوماليين باسم البرابرة ، والحموي نقل عن الهمداني شيئا من المتعلق بهم، وكتب الهمداني بعضها موجودة وبعضها مفقودة، وممن كتب عن وصف رقيقهم المقدسي [8] والإدريسي[9] ، والحموي أكثر تفصيلا في ذلك من غيره .





[1] هكذا في مقال الكاتب ، والصحيح أنه توفي عام 812 ه كما في مقدمة العقود صـ11 بتصحيح الأكوع.
[2] ينظر صـ 134 من أنس المهج .
[3] يراجع صـ 124 من أحسن التقاسيم .
[4] نقله عنه الحموي في معجمه 1/370 .
[5] يراجع مقالنا المنشور في شبكة الشاهد : إطلالات على التّاريخ الصّومالي – الجزء الأول.
[6] 1/172 .
[7] صـ 51 .
[8] أحسن التقاسيم 242 .
[9] أنس المهج وروض الفرج الفُرج  134.

السبت، 24 سبتمبر 2016

تُحفة ( عرب فقيه ) وحركة الإمام أحمد جُري


يُعدّ كتاب (تحفة الزّمان) من أبرز بل أبرز ما كتب قديماً عن تاريخ الصّومال ومسلمي الشّرق الإفريقي عموماً ، وحركة الإمام أحمد جُري ( الأشول / الجرّان / الغازي / المُجاهد ) الجهاديّة ضدّ النّصارى خصوصاً .
كانت حركة الإمام رحمه الله أوّل حركةٍ جهاديّة من نوعها قام بها إمام ينتمي إلى أصل صومالي ، حيث كانت أغلب الحركات الجهاديّة قبل الإمام يقوم بها سلاطين وأئمّة من أسر عربيّة ، قطنت البلاد منذ عهود قديمة .
ويبدوا من سير أحداث الجهاد أنّ الصّوماليّين لم يكونوا الوحيدين الّذين كانوا يجاهدون مع ابن عمّهم الإمام ، بل كان معهم  فصائل أخرى من العفر والعرب والمهرة وغيرهم من سكّان المنطقة ، بل صار أغلب جيشه في أواخر أيّامه من غير الصّوماليّين ممّن أسلم خلال الفتوحات ، ما أدّى إلى تقهقر حركة الإمام وتراجعها ثمّ انعدامها .
ويمكن أن نقول أنّ هناك عوامل عدّة كانت وراء بروز حركة الإمام ونجاحها في غضون سنوات منها :
1-              وجود القائد الأمثل ، فقد لعب الإمام دور القائد المحنّك في حروبه في التّدبير السّياسي ، والتشجيع الجهادي ، والتّوجيهي الدّيني ، علاوةً على ما كان يتّصف به من العلم والورع والعدل والعقل والشّجاعة ، والمُلفت للنّظر صغر سنّ الإمام الّذي كان ابن عشرين سنة عند بداية الحروب ، فللّه درُّه .
2-             توحّد قُوى القبائل الإسلاميّة في المنطقة ، بيد أنّه لم تُعدم انشقاقات وتراجعات داخل الصّفّ إلّا أنّها كانت تبوء بالفشل في أغلب الأحيان .
3-             الاستعداد النّفسي للجهاد ، واتخاذ الاستعداد من القوّة والتّكتيك الحربي وآلاته ، وقد كان مع الجيش علماءُ يحثّونهم على الجهاد ، وكانوا يقرؤون عليهم فضل الجهاد والمجاهد مثل كتاب " المشرع في فضل الجهاد " وغيره .
4-              ويمكن أن يُقال أنّ الانهزام النّفسي لدى النّصارى كان عاملاً مُهمّاً لإنجاح حركة جهاد الإمام ، فقد كان كثيرٌ من النّصارى يعتقدون أنّ الإمام ساحرٌ ولا يمكن دفعه ، وكان هذا ما ينعق به ملك الحبشة عندما اقترب منه الإمام في وقعة واصل على الجبل ، وللهزيمة النّفسيّة المعنويّة أثرها البارز على الجيوش والشّعوب .
كان الإمام أحمد رحمه الله حقيقا باسم " أحمد الفاتح " إلّا أنّ فتوحه ذهبت أحاديث بعد انهزام الجيش الإسلامي بالتدخّل الخارجي البرتغالي ، ولكنّ حركته تُعطينا درساً مُمتازاً عن مُقوّمات النّصر وأسباب الانحطاط .
وربّما لأحد أن يتصوّر أنّ نصارى الحبشة كانوا على عُسر من أمرهم قبل وبعد ابتداء الحركة الجهاديّة عسكريّاً واقتصاديّا وإداريّاً ، ولكنّ الكتاب يحكي لنا قصّةً مخالفة تماماً لهذا التصوّر فالحبشة كانوا أصحاب مملكة امتدّت منذ عهود قديمة ، وكانت عساكرهم خارجةً عن العدّ بالنّسبة للمسلمين ، بل كان عسكر بطريق واحد منهم أكثر من جميع الجيوش الإسلاميّة الغازية ، وكانت بلادهم تدرّ عليهم بالأموال الوفيرة من خيرات الأرض ، والجزية ، والخراج ، فكانت الكنيسة الواحدة من كنائسهم تُزيّن بالذهب والفضّة والحرير والقطن ما كان يعجز عن حمله جيوش الإمام ، فكانوا يحرقونها بعد أخذ ما يستطيعون حمله منها .
وكتاب "عرب فقيه" يمتاز بدقّة رواية الأخبار ، وذكر أسماء القوّاد والجيش والأماكن وأسماء الوقائع ، وتفاصيل الحروب والرّحلات ، وأحسن ما يميّز الكتاب حضور المؤلّف وقربه من الحروب ، فقد رافق الإمام إلى عُقر أرض الحبشة .
ولكنّه مع ذلك لم يسلم من النّقص من ناحية التّعبير ، والحرص على ضبط التّواريخ ، مع أنّ الكتاب ناقصٌ فُقد جزؤه الثّاني .
وممّا يؤسفني جدّاً أنّني لم أجد مُصنّفا عربيّا قديما عن أخبار الصّومال أو أخبار بعض أيّامها مثل هذا الكتاب (فتوح الحبشة) وهو ليس من تصنيف الصّوماليّين بل هو هديّة ثمينة عربيّة إلينا ، وكما ذهبت أخبار أيّامنا النّواصع في التّاريخ تذهب أخبار واقعنا إن لم يضبطها ذووها ويقيّدها بالحبال الواثقة صيّادوها .
فانظر إلى حركة الإمام محمّد عبد الله حسن ضدّ الاحتلال في بدايات القرن العشرين ، وانظر إلى حرب الصّومال مع حبشة ايثيوبيا في سبعينات القرن  الماضي ، يعسر وجدود مصنّف صومالي مثل تحفة الجيزاني العربي عنها ، نعم هناك مؤلّفات لا يستهان بها لعبت دوراً مهمّاً في حكاية أخبارها لكنّ المعاصرة ، ودقّة الأخبار غائبة عنها .
وأختم بطرفة مضحكة محزنة في الكتاب : يحكي لنا الجيزاني أنّ شجرة القات كانت سبباً لانكشاف رجال الإمام الّذين كانت يودّون أن يقبضوا سرّاً بالكفّ ملك الحبشة ، وذلك أنّ الإمام ورجاله لمّا طلعوا الجبل الّذي كان يتحصّن به ملك الحبشة فوقها ووصلوا إلى نصف الطّريق ولم يشعر بهم أحدٌ  إذا برجلٍ من أصحاب الإمام كان مُولعاً بالقات يحرق كنيسةً تحت الجبل ، فيشعر بهم رجال الملك .
والظاهر أنّه أحرق الكنيسة بعد ذهاب عقله بسبب تعاطيه القات ، والله المستعان .


الشيخ العالم حسين فري.. صفحة من صبر علماء الصومال

ين الضحك والبكاء، والتعجب والرضا، والتلذذ الممزوج بالتأني تارة والاستعجال أخرى، يكون حالي لما أتصفح مكتوبا عن أحوال العلماء في طلب العلم، بل يطرب قلبي لبعض المرويات أشد من طرب المتلذذ بوقع العيدان وآلات اللهو والعصيان، وحينا تستقبل خدودي قطرات العيون الممطرة بالدموع ، فتشبع نبات اللحية ، وتقطر منها إلى الثياب أو الأرض.
وأنا أجزم أنكم مثلي فيما وصفته ، لعظمة المواقف التي يتعرض لها العلماء، وتقلب أحوالهم، وصادق عزمهم، وكبير همّهم، ويقين قصدهم، وجلالة صبرهم، وتلذذهم بالمشاق!، وكرههم للملذات، ومن حظيت مقلتاه بالنظر إلى جامع ابن عبد البر، وفقيه الخطيب، ومفتاح ابن القيم، وصفحات أبي غدة، وقيمته، وعاشق القرني، ومشوق العمران، وما تحكيه من أخبار العلماء في التعب والنصب، وقطع المسافات، وهجر النّوم والرّاحة والدّعة، وسائر الملذات، والصبر على الفقر وشظف العيش، وبيع اللوازم كالملبوسات والمفروشات، والجوع والعطش، ونفاد المال، وتلف الأعضاء والنفوس في سبيل طلب العلم!؛ لرأيت عجبا، وعنقاء مغربا.
كنت أتوقف طويلا وأفكر عند خبر ذاك العالم الذي ارتحل لطلب العلم، فكانت الرسائل – وهي قواطع – تأتيه من أهله ، فلا يفتحها! خشية أن تقطعه عن العلم، ومرّت عليه سنون خمس وهو على هذا الحال، ولما أراد الرحيل إلى بلده؛ قرأها جميعا، وكان فيها ما لو فتحها لحظة وصولها إليه لقطعته عن الاستمرار في طلب العلم، والإقامة في البلد الذي ارتحل إليه !!.
عزيمة فذة ، ليست لكل الرجال، أمسى خبره يتردد إلى سويداء قلبي كلما تحدثت عن تلك الصفحات المذهبات من صبر العلماء، ولكن لم يتناه إلي خبر ذاك العالم الذي لم أسمع له مثيلا في تاريخ العلماء وما تحملوه في سبيل العلم من مشاق ، قصة ذاك الشيخ الرباني، التقي الإمام، الفقيه ، الصومالي حسين فري.
فمن هو الشيخ حسين فري ؟
قبل أن أتحفكم بأخبار الفقيه حسين التي أرويها عن شيخي اللغوي الفقيه عبد الرحمن عبد الله معلم محمد فولو ( foolow) المعروف بالشيخ عبد الرحمن النحوي ، الذي أخذ بعض أخبار الشيخ حسين، عن شيخه عبد جنجالي ( gangaale ) وهو صهر الشيخ عبد الرحمن، وأخذ هو بدوره عن الشيخ الحاج علي تمعسى ( timo case ) – أي ذو الشعر الأحمر – وهو من طلاب الشيخ الفقيه العلامة حسين فري ؛ قبل ذلك أقول :
إن تاريخنا العتيق المجيد نحن الصوماليين مليء بالأيام الناصعة والأخبار الرائعة والمواقف الطالعة، مثل تلك التي نقرؤها في دواوين التاريخ العالمي والإسلامي، ولنا من المفاخر والأماجد ما نستطيع أن ننافس فيه مع غيرنا ، سواء كانت علمية أو أدبية أو نضالية، ولكن أكثرها بادت عنا وذهبت مع التاريخ، وأصبحت من خبر كان المجهول ، بل وأصبحت الكينونة مجهولة، لأنها كانت تحفظ في الصدور لا في السطور ، ففرّ ما حُفظ ولم يوجد مسطور فيقر، فحصدنا ثمارها مرّة، وأضحت النتيجة :
  • الخلاف الكثير في أساسياتنا التاريخية ، كأصل النسب، ومعاني الأسماء ومقتضياتها، ومنشأ الجنس الصومالي، وأصل اللغة، وغير ذلك .
  • ضآلة المكتوب عن الصومال القديم حديثا للفقر المعرفي عنه .
  • النهب التاريخي لمفاخرنا القديمة .
  • نسيان التاريخ العالمي لتلك الحقبة من الزمن الذي عاشته التاريخ الصومالي.
وغير ذلك، ويصدق علينا قول القديم :
مثلُ القوم نسُو تأريخهم *** كلقيطٍ عيّ في النّاس انتساباً
أو كمغلوب على ذاكرة *** يشتكي من صلةِ الماضي القضابا
وإن كان أكثرنا يتصبّر ويتسلى بمثل قول السابق :
فاقنع بما قسم المليك فإنّما *** قسم الخلائق بيننا علّامها.
وإذا كان ماضينا أخذ طريقه للتلف والنسيان فمن الغباء أن يذهب حاضرنا لمثله، مع وجود أكفاء وذوي قلم يرون مرارة الصفحات المطويّة من تاريخنا، ولذلك أهيب الباحثين والكتاب أن يهتموا بكتابة التاريخ المعاصر للصومال، ولئن كان السابقون معذورين بمعاذير تقبل بعضها ؛ فلا أرى عذرا للمعاصرين في ذلك.
ولنرجع إلى نشر مخبي أخبار الشيخ حسين فري الصومالي الأبسكولي– رحمه الله – كما رويتها عن شيخي المذكور :
الشيخ حسين الملقب بفري – ومعنى اللقب : ذو الأصبع المقطوعة – أحد كبار العلماء الصوماليين الّذين عاشوا في عهد الاحتلال الغربي للصومال ، وعاصروا السيد محمد عبد الله حسن، المناضل والمجاهد الصومالي المشهور.
ينتمي إلى ياسف ( يوسف ) أحد أفخاذ قبيلة أبسكول التي تقطن الغرب الصومالي – المحتل حاليا من قبل ايثيوبيا– وأجزاء من الصومال .
اشتهر بالعلم، والورع، والتقوى، والزهد ، كما اشتهر بصبره في طلب العلم ، وبكراماته المروية عنه ، وقد قال عنه الشيخ عبد الرحمن أفجطي ( af-gudhi ) المجيرتيني– أحد علماء الصومال – : إذا أطلق لفظ ” الشيخ ” فهو الشيخ حسين فري .
ارتحل الشيخ بعد أن أحاط بعلم أهل بلده إلى ” مقديشو ” – عاصمة الصومال الحالية – وكانت مهيعا للعلماء ، ثم رجع إلى بربرة ودرّس فيها، وارتبط به طلاب كثر ( حر/xer ) ، ثم انتقل بين البلاد حتى توفي في مدينة ( طجحبور/ dhagaxbuur ) وبني له قبة على قبره !! ([1]) ، وكان عالم البلاد في عصره .
تتلمذ عليه خلائق لا يحصون منهم شيخ الطريقة الصالحية في مناطق الشمال الشيخ إسماعيل الطلبهنتي ، جدّ الشيخ عمر ( طيري/dheere ) الساكن في مدينة بوهودلى، خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ، وتتلمذ عليه أيضا مقرئ الصومال المشهور الشيخ العالم علي صوفي ، والشيخ عبد الرحمن أفجطيالمجيرتيني، والشيخ الحاج علي تمعسىالأبسكولي ، وكان الأخير هو من يقرأ على الشيخ ، وكان من خواص تلاميذه .
الشيخ حسين والتفاني في طلب العلم ( قصة عجيبة ) :
رحل الشيخ – رحمه الله – كما ذكرنا إلى مدينة مقديشو ليأخذ من علمائها الذين اشتهروا وقتها بالعلم والفقه، وكانت لديه همّة قعساء ، وعزيمة صمّاء في طلب العلم ، وكان – رحمه الله – لا يعرف الفتور والتواني ، ويحذر كل الحذر عن القواطع والعوائق في طريقه ، فقد عرض له كثير من الآباء بناتهم عليه وهو في طلب العلم فرفض واعتذر منهم .
وله قصّة عجيبة في هذا المضمار لو ظفر بها الشيخ أبو غدة لكتبها في صدارة مؤلفه العجاب ” صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل ” ، وهي أنه بعث له رسالة من أهله وهو في مقديشو ، فلم يفض خاتمها خوفا من أن تقطعه عن مواصلة سيره في طلب العلم ، فاستكمل المسيرة لمدة عشرين سنة، والورقة عنده لم يفتحها!!، ولما وصل إلى مطلوبه، ونهل من حياض العلم؛ قرر الرجوع إلى قطره ، وأخرج تلك الورقة ليقرأ ما فيها ، فلم ينته من القراءة إلا وقد علم بأنه الوحيد من بين إخوانه على قيد الحياة، فقد ماتوا جميعا أو قتلوا في إحدى المشاهد !! .
وقد عرف الشيخ – رحمه الله –بالتقوى والورع وطيب النفس وكرمها ، وروي عنه في ذلك حكايات منها : أنه كان لا ينظر إلى النساء أبدا ولو كن زوجات بنيه، ولذلك لم يكن مهتما في أول حياته بأمور الزواج حتى بعد عودته إلى قطره، وكان الباعث على زواجه الأول :
أنه طلب من فتاة أن تحضر له وضوءا ، فأحضرته له وأعطته المُتوضأ صدقة عن أبيها، فأعجبه برها بأبيها، ووقع في روعه أن يتزوج ليترك ولدا يتصدق عنه بعد وفاته.
ويُروى أن إحدى زوجاته كانت شديدة عليه ، فنصحوه بفراقها، فما كان جواب قوله إلا أن قال : دعوها، وليكن ضررها وشدتها علي بدل أن تكون على مؤمن آخر !.
وقالت له يوما – تذمه بالبخل – : أنت رجل قطوع – بمعنى بخيل-، فقال لها مازحا: ما أعلمك باللغة !! ، ومرماه إلى أنها أوردت الوصف على المبالغة .
ومما يذكر عن الشيخ أن مجلسا جمعه مع السيد محمد عبد الله حسن، فسأله الأخير عن قبيلة صومالية كانت ضدّه أكفار هم ؟ فأجاب : بأنه لا يستطيع أن يكفر من قال لا إله إلا الله، من غير وجه حق – وكان رحمه الله محقا فيها -.
ويقال: إن إحدى القبائل اشتكت إلى الشيخ من حشرة الطوج ( dhuug ) وطلبت منه أن يسأل الله لهم أن يبعدهم عنه، فقال لهم: هل تعرفون مكانا لا يوجد فيه مسلم أسأل الله أن يبعد هذه الحشرة عنكم إليهم، فذكروا له اسم قبيلة صومالية !! وكان الشيخ لا يعرف عنها شيئا، وقبلت دعوة الشيخ فهجرت الحشرة إلى أرض القبيلة الأخرى، ولما علموا بالخبر ذهبوا إلى الشيخ واشتكوا له ، وعلم أنه كان مخدوعا !! ، فسأل الله أن يرجع الحشرة إلى مكانها الأصلي فرجعت إليه !!، هكذا يروى عنه ويعد من كراماته ، والله أعلم .
بارك الله للشيخ أهله ، ورزقه بأولاد صالحين، أصبحوا علماء بعده، منهم الشيخ محمد آدم بن الشيخ حسين، وعلي زياد، وعبد الله الكافي، وغيرهم .
وكان يشتغل طوال حياته بالدعوة والتعليم، وخاصة علمي التفسير والفقه، وقد درس الإرشاد لابن المقرئ كثيرا، وهو معروف بصعوبة تراكيبه وغرابة ألفاظه وغموض معانيه.
وأخباره في طلب العلم وتبليغه ، والزهد عن الدنيا، والورع والتقوى، ومعاملة الأهل والأصحاب، كثيرة لم أهتد إليها إلا ما سطرته، فرحمه الله وعفا عنه.
……………………………
 الهامش :
  • كان اللقاء مع الشيخ عبد الرحمن وسماع قصة الشيخ منه : يوم الخميس 8- سبتمبر – 2016 ، في مجلس المشايخ الصالحية في المسجد الجامع بلاسعانود – شمال الصومال.
([1]) بناء القبة على القبر غير جائز كما هو منصوص قول النبي صلى الله عليه وسلم .

لا بد للصومال ( قصيدة )


كفكف دموعكِ واهدئي يا عينُ          فبـهـاء مقلتكِ الـمهـا مـمنونُ
ستـزول مـأساة الـبـلاد عـشيـةً          فارع الحمى فزوالها مضمـونُ
لا فـقـر لا فـوضـى ولا حربا ولا          طفلا يضيع على الثرى محزونُ
لا حـاكما يطغى ولا شـعبا على          نـيرانهم يُـطهى ولا مـديـونُ
عـدوا مـعـي لا لا وكـلاّ ألــف لا          يـومَ الـزوال سـيعقل المجنونُ
وسيدرك الأطـفـــال أن أباهـم          فـذّ الـعـزيمـة فـارس ميـمـونُ
كـم كان للطاغين في تاريخـنا           أيام شؤم قد مـضـت وسنـونُ
أين الـجبَابرة الـطّغَام وعـزّهم           مـن فـارس والـروم يا محزونُ
أين الفراعنة الـملوك وملكهم           ومغـول تـتـْر بعدهم مطحونُ
لـو كـان لـلـتاريـخ عـود ثـانـيـا          لـتـغيـّرت أوضــاعـنا وشــؤونُ
لا بـدّ للصومال أن يـرث الــعُلا          فاليسر بعد العسر يا مـوهونُ
لا بـد للـصومال يومـا قــادمــا          مـجـدا عـتيقا عـائــدا سيـكونُ
لا بد لـلـصومال حـكـمـا عادلـا          يـرضى به قـلب الأبـيْ وعيونُ
لا بد للصومال أن يخـطـو على          سـبـل الـسلام وزادُه مـقـرونُ
لا أجـزم الأقـدارَ بـل أدعوك يـا          ربي ودمعي في السُيول هَتونُ
فالإرث إرثـي والبـلاد قـريـرتـي          وأنـا فـفـي صـومـالنا مـدفونُ

محمد برى علي يوسف

وقفة مع قصيدة “عجبا يحارب نفسه الصّومال “


وقفت على حين غرّة مني ديواناً يحمل اسم ” طفل مسلم من سراييفو والصّومال ” من شعر فيلق من فيالقة الشّعر المعاصرين خالد مصباح مظلوم ، فبحثت فيه بتلهّف وشوق غامر لأجد كلمات ذاك الطّفل البريء الصّومالي الّذي عبّر عنه الشّاعر بكلماته ، فلم يوافق شنّ طبقة، ولم أجد قصيدة توحي عن روح طفل يشكو ويتألّم ، ولكنّي بدلاً عنها وقفت على قصيدة العنوان ، قصيدة شاملة لخلجات إنسان ، وتأوّهات أرواح ، تقف الدّموع على مُقل العيون ، لتدرّ على صفحات الخدود .
في بادئ الأمر لم أعرها أثناء القراءة اهتماما ؛ لأنّها أُلّفت بعد سنة من مصيبة الصّومال الكبرى ( عام 1992) ، فكأنّ مشاعري كانت تهمس إليّ قائلة : شعر تاريخي أكثر من واقعي ، مضى له زهاء ربع قرن ؛ إلّا أنّها تلاشت بعد أن استقرّت العين على جُمل أصبحت في قلبي كرعدٍ فاجأ خائفاً يكبّ على زناد في أدغال ملتفّة ، تلك هي قوله :
الشرّ هذا منكمو وإليكمو *** وعليكمو يتواصل البَلبَالُ
كانت مطامحكم أشدّ تسامياً *** وغداً تدنّيكم هو الآمال
بعد أربع وعشرين سنة من هذا القول ، ما زالت الصّومال في تدنٍّ وتدهور ، كلّما بدا بريق أمل تآمرت عليه عصابات دجل .
يُفلق الشّاعر هامة شعره بكلمات توجز واقع البلد آنذاك ، ويصوّر ذاك الوضع المرير الّذي سيصطحبه للقارئ ذاكراً أنّ العظيم المُفتخر به ، الّذي يرجوه الجميع ويأمل الخير فيه ، إذا هوي بفعل جماعةٍ لاعقلانيّة ، ولم يتدارك الجمهور العاقل أمرهم لممّا يُقضى له العجب .
ثمّ يكرّ ويعدّد أسباب التدهور المفاجئ من نعرة قبليّة ، وتسلّط على كرسي ، وطغيان حكّام ، واستكثر من آهات النّدم وخطابات الترجي ، متوسّلاً بأواصر الرّحم والدّين .
والقصيدة تفسّر نفسها بنفسها ، ولا يحتاج قارئها إلى تبيين لاسيّما من يعيش الواقع الّذي تصفه ، وقبل بسط فرش القصيدة أُبرز إطلالة على القصيدة :
وهي أنّ القصيدة المكوّنة من ( 85 ) بيتاً الّتى رثاها الشّاعر السّوري بالصّومال قبل ربع قرن من الزّمان تصلح وأزيد منها أن تكون مرثية لإخواننا في بلاد الشام ( سوريّا ) – أصلح الله أحوالهم – وقد أُكلت الدّول الإسلاميّة يوم أكل الثّور الأبيض ، لم يكن يتصوّر الشّاعر الّذي صبّ صنوف اللّوم تارةً ، ودرر النّصح أخرى على الصّومال ؛ أنّ مسقط رأسه سيؤول إلى مثلها وأسو منها ، وإن لم نتدارك اليوم إصلاح ما خرب منّا كمسلمين سيتتابع الباقي على نفس المنوال – ونعوذ بالله من ذلك – .
وبعد هذه النّقطة أظنّ أنّ للنّفوس لهفاً بقراءة القصيدة ، وهزجاً لحكّ إنسان العين بها ، فلأترككم مع نبذة منها :
عجباً يحارب نفسه الصّومال *** وهو الّذي فخرت به الأجيال
عجباً دهته طغمة تختال *** وتظنّ أنّ جنونها استبسال
حربٌ وفوضى فاقةٌ وهزال *** وصراع أحزاب هو الصّومال
بسبيل ما يدعونه قبليّة *** قد مزّقوا أرحامهم وتقالوا
هي نعرة قبليّة منسوبة *** للجهل يسقط عندها الجهّال
بسبيل كرسيّ التسلّط دمّروا *** أمجادهم وعدُوّهم يختال
ماذا تقول لحاكمين أذلّهم *** ربي بما طمعوا به واحتالوا
من كان من يدهم مصائب نفسهم *** ماذا يقال بحقهم إن زالوا
استبدلوا قرباهمو بشقاقهم *** وهم بنو عم وهم أخوال
الوعي من قاموسهم محذوفة *** أمّا البديل الويل والإعوال
هدموا المزارع والمعامل والبنا *** وبنوا مقابر واستراح البال
قحط الطبيعة زاد قحط عقولهم *** وهم الجناة وشعبهم يغتال
أنفوا المحبة والتفاهم والهدى *** ساغوا الجهالة والغِوى وأطالو
ساغوا التزلّف للعدوّ بسؤله *** يأتي ويوقف حربهم ويطال
ساغوا دخول المشركين لأرضهم *** بدل التفاهم يا لهم جهّال
قاموا قديماً بالحضارة والعُلا *** واليوم تستهويهمُ الأغلال
واليوم كأس الماء أصبح ثروة *** واليوم ساد العُري والأسمال
وشهيد جوع لا شهيد معارك *** للّه قد جعلوك يا صومال
كلّ يقول بأنّه أسد الحمى *** هل يستوي القوّال والفعّال
أو ما يهزّهمو وفاة صغيرهم *** وأنين جيران لهم وسعال
الشرّ هذا منكمو وإليكمو *** وعليكمو يتواصل البَلبَالُ
كانت مطامحكم أشدّ تسامياً *** وغداً تدنّيكم هو الآمال
تبّت يدا قابيل يقتل أهله *** ويظنّ أنّه عاقل مفضال
ماذا نقول لمن يُعرّض أهله *** للجوع والبلوى أجب يا خال
إن كان حالهمو قديماً سيّئا *** أو ليس أسوأ منه هذي الحال
هذي المناظر من بلاد صُحّرت *** أرضاً وعقلاً كلّها أهوال
انظر إلى هذا الصغير وسربه *** أضلاعهم فوق الثّرى تنهال
وفتى تخشّب عوده ويفاعةٌ *** تُبدى على سيمائه وتُزال
الهيكل العظميّ يسعى ميّتا *** والميّتون بقربه أرتال
هل يا تراهم أغصن يبست على *** أعجازها أم إنهم أطلال
الشعب يفترش المذلّة والظما *** والفاسقون بطونهم أغوال
أسفي فما أم تشاهد لقمة *** لوليدها وعلى الظما تحتال
أو ما تؤرّقهم دموع رُقرقت *** من قلبها وحيالها الأطفال
من قبل كان لها نهود أرضعت *** نفس الرعاة وهم عليها بالوا
الموت أفضل من عذاب شعورها *** الموت أرحم من فتى يُغتال
أو ليس أمّ مثل هذي برّة *** بالنّسل يُجعل أجرها الإجلال
الأمّ رمز العطف يرفع شأنها *** نسل كريم اسمه الصّومال
يا أمّ يا شرف البريّة كلّها *** صبراً فصبحاً تهدأ الأحوال
وسيستجيب الله دعوتك التي *** ترجين فهو القادر الفعّال
صومال يا صومال يا بلد الهدى *** من قبل ، كيف تردّت الأحوال
صومال يا صومال رباطة الدّما *** والدّين تربط بيننا والمال
فلتخفضوا هاماتكم للحقّ يا *** قُوّاد فهو المُنقذ المِفضال
آن الأوان لكي تلمّوا شملكم *** من فوركم ويفارق البلبال
توبوا إلى الرّحمن ثوبوا للهدى *** وتغيّروا تتغيّر الأحوال
لا ييأس المخلوق من رحمانه *** كلّ الصّعاب بعونه ستزال
وبعد ، فالكلّ يعلم جزماً أنّ الوضع الصّومالي تحسّن من ذاك المرير الّذي ذاقه قبل سنوات إلّا أنّ مرارة آثاره ما زالت تختلج في أحشاء الشّعب المنهك ، وما زالت هناك فئة يقتفون آثار أبالسة الفتن ، كان الله في عون جميع المسلمين .

الجمعة، 23 سبتمبر 2016

مُختارات من تاريخ (بربره) في كتب مؤرّخي المسلمين


بَربَره[1] بفتح الباء والرّاء المهملة السّاكنة ثمّ باء ثانية وراءٌ أيضاً وهاء في الآخر ساكنة ،[2] ، أو بألف مقصورة في آخرها [3] من أشهر المُدن الصّوماليّة القديمة الّتي لم يندرس اسمها إلى الآن .
وكان هذا الاسم يُطلق سابقاً على :
1- أمّة كبيرة وقبائل كثيرة في بلاد المغرب .
2- أمة في آخر بلاد اليمن بين أرض الحبشة والزنج – وهي الواقعة في الصّومال حالياً - .
3- سوق بربر من أوساط الفسطاط في مصر ، نزلها قوم من بربر الغرب فسُمّي بهم .[4]
4- وحكى أبو عبد الله الزّهري ، أنّ الاسم يُطلق على قبيلة من جناوة ، تسكن غربيّ النّيل ، كان منهم أمير غانة ، ويدينون بالنّصرانيّة .[5]
وهناك الآن بعض القُرى الّتي تحمل هذا الاسم في فلسطين واليمن .
 وقد تكرّر اسم ( بربرة) الصّوماليّة على ألسنة الرّحالة والجغرافيّين والمؤرّخين المتقدّمين على الصعيدين الإسلامي والغربي ، لكونها قاعدة رئيسيّة لشعوب المِنطقة – الصّوماليّين - ، وخاصّة المناطق الشماليّة .
كما ذاع صيتها منذ عهود قديمة ، وانتشرت مُخرجاتها في البقاع المُجاورة ، وورد ذكرها في الأشعار الجاهليّة قبل الإسلام ، كقول امرئ القيس واصفاً فرسه في قصيدته الّتي نظم سبكها حين توجّه إلى قيصر مستنجداً به على ردّ مُلكه إليه والانتقام من بني أسد [6] :
على لاحب لا يهتدي بمناره          إذا ساقه العَود النّباطيّ جرجرا
على كلّ مقصوص الذّنابى معاود     بريد السُّرى باللّيل من خيل بربرا [7]
قال الأعلم الشنتمري في شرح ديوان امرئ القيس : " وخص خيل بربر لأنها كانت أصلب الخيل عندهم وأجودها " [8]
وفي قصيدة أُخرى له :
وبعد أبي في حصن كندة سيّداً     يسود جُموعاً من جيوش وبربرا
ويغزوا بأعراب اليمانيين كلّهم     له أمرهم حتى يُحلّ المُشقّرا [9]
ومع أنّ اسم ( بربرا) يُطلق أيضاً على أُمم أخرى – كما أسلفت الإشارة إليه – إلّا أنّ الدّالّ على مقصود امرئ القيس نصّان :
أوّلهما لأبي الحسن ابن سعيد المغربي حيث قال :" وبربرا قاعدة البرابر الّتي ذكر امرؤ القيس خيلهم ، ورقيقهم مستحسن ، وقد أسلم أكثرهم فلذلك عُدموا في بلاد الإسلام  " [10] ، ثمّ تكلّم عن نيل مقديشوا وبعض الأماكن الأخرى التابعة لبربرا .
والثاني لابن خلدون ، قال في تاريخه :" وبربرا قاعدة البرابر الّتي ذكرها امرؤ القيس في شعره وليسوا من البربر الّذي هم قبائل المغرب .."[11]
وهذا ما ورد في حاشية ديوان امرئ القيس الصّادر عن دار صادر [12] ، عند شرحهم البيت السّابق ، قالوا :" بربر أمة بين الحبوش والزّنج وكلّهم من ولد قيس عيلان "[13] ، ولم أقف على مصدر المعلومة الأخيرة ، والصّحيح أنّ البربر المنسوبين - عند بعض المؤرّخين - إلى قيس عيلان هم ساكنوا المغرب غرب النّيل ، كما حكاه المسعودي في مروجه وشيخ ربوة في نخبته [14]
ولمّا كان العرب الّذين يرتحلون إلى بربرا لا يفهمون من كلامهم شيئاً أطلقوا عليهم : أهل البربرة ، والبربرة الكلام السّريع المسموع من غضب قائله [15] .
ويُلاحظ القارئ للمكتوب عن بربرا أنّ المؤلّفين يختلفون في تحديد ما يُطلق عليه الاسم :
1- فبعضهم ُيطلقه ويقصد مدينة معيّنة في شرق أفريقيا ، أو في الحبشة – بالمصطلح القديم[16] – وأواخر اليمن ، انعكس اسمها على سائر المناطق المُجاورة لها ، وأنّها قاعدة البرابر كابن سعيد المغربي [17] .
2- وآخرون يرومون منه جزيرةً أو بلداً بين الحبشة والزنج واليمن على ساحل بحر اليمن ، متكوّناً من عدّة مُدن وقُرى ، وهم الأكثر  : كالمسعودي ، والحسن بن يعقوب الهمداني ، والحموي ، والبيروني ، والإدريسي، وابن خلدون ، والبكري ، والمقريزي ، وبامخرمة ، وابن سباهي زادة ، ،والحسني ، وغيرهم [18] .
ولعلّ أقدم من ذكر بلاد بربرة ( الصّوماليّة ) من الجغرافيّين المسلمين  هو أبو محمّد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني اليمني (تـ 336 ه )[19] وبعده مُعاصره الحسين بن علي المسعودي ( تـ 346ه)[20] خلافاً لما قاله محقّق قسم شمال أفريقيا وبلاد السّودان من كتاب أنس المهج للشّريف الإدريسي ، من أنّ أوّل من ذكرها محمد بن أحمد المقدسي (تـ381ه) في أحسن التّقاسيم [21] .
ومن الأوصاف والأخبار الّتي ذكرها المؤرّخون والجغرافيون عن بلاد بربرة ( الصّوماليّة ) [22] :
-                   لون بشرتهم السّوداء ، ولغتهم الخاصّة بهم.
-                   معيشتهم المبنيّة على صيد الوحوش كالزرافة ، والببرُ ، والكركدن ، والنمر ، والفيل ، وغيرها .
-                   صفة صيدهم : فقد كان عندهم نوعٌ من النّبت يشبه الخبّاز يجمعونه ويطبخونه ويستخرجون ماءه ثم يطبخونه حتى ينعقد ويصير كالزفت، فإذا أرادوا اختبار إحكامه جرح أحدهم ساقه فإذا سال دمه أخذ من ذلك السم قليلا وقرّبه من الدم في آخر سيلانه فإن كان قد أحكم طبخه تراجع الدم يطلب الجرح فيبادر ويقطعه قبل أن يصل إلى الجرح، فإنه إن دخل في الجرح أهلك صاحبه، وإن لم يتراجع الدم عاود طبخه إلى أن يرضاه، ثم يجعل منه شيئا في حقّ ويعلقه في وسطه ويكمن للوحش في شجر أو غيره فإذا رأى الوحش جعل على رأس نصله منه قليلا ثم يرمي الوحش فحينما يخالط هذا السّمّ دمه يموت، فيجيء إليه فيأخذ جلده أو قرنه أو نابه فيبيعه ويأكل لحمه فلا يضره [23] .
-                   قطع بعضهم مذاكير بعض ، وجعلها مهورة نسائهم [24] !! .
-                   سرقة بعضهم أولادَ بعض ، وبيعهم !! [25] .
-                   إسلام أكثر أهلها ، المُوجب لنفاد رقيقهم في بلاد الإسلام [26] ، وتباينَ قولُهم في وصف رقيقهم - قبل نفاده - : فحكى ابن سعيد المغربي أنّ رقيقهم كان مُستَحسناً [27] في حين أورد المقدسي وأقرّه عليه الإدريسي أنّهم كانوا شرّ أجناس الخدم !! .[28]

-                   سرعة العدو ، وعدم اغتذائهم بشيء سوى اللّبن واللحم ، وطيشهم [29] .
-                   تمذهبهم بالشافعيّة والزّيديّة ! [30] .
-                   ووصف الخليج البربري أو بحر بربرا ، وأحوال العمانيين الّذين كانوا يسافرون فيها المسعودي [31] ، وممّا ذكر أنّ الأزديّين من عرب عمّان كانوا إذا توسّطوا فيه وحفّتهم الأمواج يرتجزون قائلين :
بربرى وحفوني     وموجك المجنون
حفوني وبربرى    وموجها كما ترى
مُلاحظة : ينبغي التثبّت ، وتدقيق البحث في الأخبار الّتي يحكيها الجغرافيّون عن أهل المنطقة لأنّ أكثرهم لم يزوروا البلد ، وإنّما اكتفوا بأخبار القادمين إليهم منها كالتجار ، وهو ما أدّى إلى أن يحمل عليهم بعض متأخّري الجغرافيّين الغربيّين في دراساتهم عن المنطقة [32] .



[1] لم أتطرّق إلى ما كتبه الغربيّون أو الصّينيّون أو غيرهم عن بربرا ، ولعلّي سأكتب عنها شيئاً في حلقات هذه السّلسلة .
[2] النّسبة إلى المواضع والبلدان لبامخرمة صـ 99 .
[3] معجم ما استعجم 1/220 ، أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك 197 دار الغرب الإسلامي ، وهكذا وردت في شعر امرئ القيس المذكور بعده .
[4] المشترك وضعاً والمفترق صقعاً لياقوت الحموي صـ 41-42 ، وانظر النّسبة إلى المواضع والبلدان صـ 99 ، وتاريخ ابن خلدون 1/60 ، وقلائد الأجياد فيما اتفق في التسمية من البقاع والبلاد للحسني صـ 64 .
[5] الجغرافيا للزهري 126 ط: مكتبة الثقافة الدّينيّة .
[6] هي قصيدة طويلة مطلعها : ( سما لك شوقٌ بعدما كان أقصرا    وحلّت سُليمى فوٍّ فعرعرا )
[7] ديوان امرئ القيس ط: دار المعارف 66 .
[8] شرح ديوان امرئ القيس صـ 173 .
[9] ديوان امرئ القيس ط: دار المعارف 269 .
[10] كتاب الجغرافيا صـ 81 .
[11] تاريخ ابن خلدون 1/60 .
[12] طبعة دار صادر بيروت ، ولم أقف على اسم مُحقّق الكتاب .
[13] صـ 96 .
[14] مروج الذّهب 2/351 ، والنخبة صـ 351 ، دار إحياء التراث .
[15] ذكره شيخ ربوة في نخبة الدّهر صـ218 ، ولنفس السّبب سُمي برابرة المغرب " البربر " ذكره الحسن بن محمّد الزياتي في كتابه وصف أفريقيا صـ 42 [ ترجمه من الفرنسيّة المترجمة من الإيطاليّة : عبد الرّحمن حميدة ] ، ونقل عن آخرين سبباً آخر في سبب تسمية برابرة المغرب بهذا الاسم .
[16] وهذا ما يُفهم من تقعيد أبي عبد الله الزهري في كتاب الجغرافيا صـ 123 فقد قال : ( .. فما كان من السّودان وراء النّيل لناحية المشرق فهم الحبشة ، وما كان لناحية المغرب فهم النّوبة والزّنج وجناوة ) اهـ ، وقول المقدسي في أحسن التقاسيم 242 :" والحبش وراء زيلع "
[17] الجغرافيا للمغربي صـ 81 .
[18] مروج الذّهب 1/72 ، معجم البلدان للحموي  1/ 203 ، المشترك وَضعاً والمفترق صقعاً للحموي صـ 31-42 ، جنى الأزهار من الرّوض المِعطار للمقريزي صـ 21 ، تاريخ ابن خلدون 1/60 ، معجم ما استعجم 1/1/220 ، النّسبة إلى المواضع والبلدان لبامخرمة صـ 99، أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك لزادة صـ198 ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق 1/43 ، قلائد الأجياد للحسني صـ 64 ، والقانون للبيروني صـ548 .
[19] حكاه عنه الحموي في معجمه 1/370
[20] مروج الذّهب 1/72 ، والتنبيه والإشراف له صـ51 .
[21] صـ 242 ، ذكره محقّق صـ 134 .
[22] ينبغي التثبّت وتدقيق البحث في الأخبار الّتي يحكيها الجغرافيّون عن أهل المنطقة لأنّ كثيراً منهم لم يزوروا البلد ، وإنّما اكتفوا باستخبار القادمين منها كالتجار .
[23] حكى ذلك عنهم الهمداني وتقله عنه الحموي في معجمه 1/293 ، وعنه نقلت الأخبار والصّفات السّابقة .
[24] ذكرهذا عنهم الحموي في المشترك 41-42 ، وفي المعجم السّابق .
[25] جنى الأزهار للمقريزي صـ21 .
[26] الجغرافيا لابن سعيد صـ81 أوضح المسالك لابن سباهي زادة صـ198 ، وذكر فشوّ الإسلام فيهم ابن خلدون في تاريخه 1/60 ، وبامخرمة في النّسبة إلى المواضع والبلدان صـ99.
[27] المصدر السّابق .
[28] أحسن التقاسيم 242 ، " أنس المهج وروض الفرج الفُرج " 134 .
[29] النّسبة إلى المواضع والبلدان لبامخرمة صـ 99 .
[30] نخبة الدّهر في عجائب البر والبحر لشيخ ربوة صـ 218
[31] مروج الذّهب 1/72 ت: البقاعي .
[32] انظر مثلاً : سلطنة عمان وأفريقيا الشّرقيّة ، للأميرال الفرنسي المسيو جيان 96-106 .