مدونة المعرفة والتأصيل

مدونة المعرفة والتأصيل

السبت، 24 سبتمبر 2016

ماذا سيكتب عنّا التاريخ ؟‏

زُهاء قرنٍ كامل كانت الأمّة الإسلاميّة مزكومةً من رُغام سقوط خلافتهم الّتي كانت واسطة عقد بينهم ، ومفخرةً لهم مع هُزالها في أواخر أيّامها .
 كانت على مدى هذا القرن تتمرّغ في صَعيد التخلّف ، وترشّ لُعابها على ثوب المذلّة ، وتتلوّى من وجع الهزيمة ، يتحيّنون الفرص ليتساءلوا بينهم : كيف ، ولم ، وهل ؟ ، من دون أن يُحرّكوا ساكنا .
ذهب القرنُ ولم يُستفد منه إلّا إلقاء اللائمات ، والجهر بالعداوات ، وتوسيع دائرة الخلافات ، وتضييق الحُدود والرّحلات ، والتفرّج على تقُدّم ذوي النّكبات ، والاستذكار بالمكرمات السّابقات ، وتمنّي إزاحة الأزمات .
أصبحت نقطة شمل الكلمة صعبة المنال ، وتمكّن العدوّ من الأمّة أشدّ من الصليبيّين والتّتار ، وحُلّيت أعظم قاعدة في العصر بالذّهب ورصّعت بالفضّة : ( فرّق تسُد ) ، ومع عدم اختراعها في هذا العصر إلّا أنّه أصبح العصر الذّهبي لها ، وكانت لصالح الكفّار .
أمست عزّة النّفس من خبر (كان) وأبئِس به خبراً في مثل هذا المكان ، وبيعت بلُقَم عيش مسمومة .
كلّما توغّل المرء في المذلّة ارتفع تاج رأسه ولمع ، وويلٌ لمن تُحدّثه نفسه العزّة ، يؤتى من قِبل قريبه قَبل البعيد ، ويتلقّى الطعن الحتفي منه .
عن الدّين هُجر ، وعن الدّنيا ابتُعد ، فلا المساجد عامرة ، ولا الأسواق ناهضة .
قلّدنا زمام أمورنا جُزافاً لطاعنينا ، فالسياسة لهم ، والاقتصاد لهم ، والصّناعة لهم ، والعلوم لهم ، ولم نُبق لأنفسنا إلاّ إسعاف المقال بأنّ : ” حضارتهم سرقت من حضارتنا ونحن أصولها ” ، ولست بمنكر استفادة الغرب من نتاج حضارتنا ، بالنّهب تارةً ، وبالطّوع أخرى ، ولكن : ( تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم .. )[1]
يا قوم ماذا يردّ عليكم عزّ أوّلكم     إن ضاع آخره أو ذلّ واتضعا [2]
لمّا أنظر إلى حال الأمّة الإسلاميّة اليوم أتذكّر المثل الصّومالي البليغ :” المريض تحت تصرّف الكلّ “[3] ، إلّا أنّ هناك فرقاً بين نصيحة النّاصح للمريض ، ونطيح قرن الغربيّين .
ليست هناك ريبة أنّ هذا السّؤال – ماذا سيكتب عنّا التّاريخ ؟ – يتردّد إلى أذهان المعنيّين بأمور الأمّة ، يصبّحهم ويمسّيهم ، لأنّني وأنت وهو نمثّل أفراد الأمّة الّتي ستُؤرّخ لها يوماً ما ، ويُبري الجميع – الموافق والمناوئ – أقلامهم ليدرسوا تاريخهم نقداً وتحليلاً وروايةً ومقارنة .
وذوو الهمّة لا يرضون لأنفسهم سيرةً سيّئة في حياتهم ، ولا يستطيعون أن يسمعوا عن أنفسهم وأهاليهم أو مجتمعهم وأمّتهم أخباراً لا تسرّهم ، وربّما يصحّ القول بأنّ الجميع متساوون في هذا ، ولكنّ الفيصل بين النّاس : النّظر البعيد للأمور ، فما لا يأبه به البعض يصبح الشّغل المثالي للبعض ، وهذا من التّفاوت الخِلقي في العقل ، والكسبيّ في العلم .
إنّ ما نكتبه اليوم على صفحات حياتنا ، وجدران معيشتنا ، هي سيرتنا الذّاتيّة الّتي نُقدّمها لمن بعدنا من الأجيال ، ليس لها استبدال ، ولا نُعوّض لنا عن فِعلة يوم واحدٍ أو ساعة واحدة وحتى ثانية واحدة .
 نرويها نحن ويكتبها من لا يعفو عن هفوةٍ صغيرةٍ نتفوّه بها ، فهي المكان الوحيد عنده الّذي لا يقبل القلم المُزيل ، أو الممحاة .
لا تذهب بك التخرّصات عن كيفيّة أسطر سيرتنا في مُدوّنات تاريخ من يخلفنا بعيداً ، ولا تتذبذب في العفو والتّجاهل عن أخبارنا الملطّخة بالسّواد أو عدم مغادرة صغيرة ولا كبيرة منها ، ولكن انظر إلى أخبار الماضين ، بطولاتُهم مرويّة ، وهزائمهم مسطورة ، زمن المجد في تاريخهم ليس كزمن الضّعف ، بعض الأزمان والمراحل تهيّج الرّوح عند قراءة أخبارها ، وبعضها تندم لها إن لم تنفجر بالبكاء .
هذا معنى التّاريخ في حياة الأمم ، هذا الّذي يؤرقني ويؤرق المهتمّين بأمور الأمّة ، فيا تُرى هل نُمجّد أم نُعزّى ، وهل يُقتدى بنا أم يُؤنف عنّا .
إنّ العناية بالذّكر الحسن غايةٌ سعى إليها العُظماء ، وشمّر لها الُعقلاء ، فهذا خليل الله إبراهيم عليه السّلام يدعو ربّه ويقول :( واجعل لي لسان صِدقٍ في الآخرين )[4] ومُراده : ثناء صدقٍ مستمرّ ، وقد امتنّ الله تعالى على غير واحد من رسله عليهم الصّلاة والسّلام بقوله :( وتركنا عليه في الآخرين )[5] أي جعلنا له ثناء حسناً مُستمرّاً ، ورفع لخيرته من خلقه صلى الله عليه وسلّم ذكره فقال :( ورفعنا لك ذكرك ) [6] ، وللخلفاء والملوك والأمراء والعلماء في ذلك شأو رفيع .
وإنما المرء حديث بعده     فكن حديثاً حسناً لمن وعى
لا أدري لِم نَقرأ تأريخ الانهزام لدى الأمم ، ولا نعتبر بها بل نطفق في التّعليق عليها بالذم والنّقد ، وقليلٌ منّا يقول في آخر كلامه أو مقاله ” كما نحن عليه اليوم !! ” ، ألا نعقل بأنّ يومنا هذا سيذهب ويأتي يومٌ يُعلّق علينا نحن ونُنتقد ، فما الّذي أعددنا له .
لا أظنّ أنّ القارئ نسي تلك المقولة الّتي نفذت إلى أعماق مشاعرنا جميعا من المستشارة الألمانيّة انجيلا ميركل : ” يوما ما سنخبر أحفادنا عن هروب اللاجئين السوريّين والفلسطينيين عبر مواكب الموت إلى أوروبا على الرغم من أن مكة وأرض المسلمين أقرب إليهم … ” !!
كلماتها الموجزة هذه تحمل رسالة المقال كلّه ، فهل وصلنا إلى هذا الحدّ من المذلّة ؟ لا أكاد أصدّق ولكن عليّ أن أصدّق ، فالواقع لا يكذب مهما حاولت تناسي الحقائق .
ولا شكّ في أنّ مثل هذه المراحل وأسوأ منها مرّت في حياتهم في حين كنّا على أوج مجدنا وعزّتا – كما هم عليه اليوم – ولكن ذهبت المكرُمات أحاديثَ :
ألهى بني تغلب عن كلّ مكرمة    قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
ولا تتذمّر أخي القارئ فالفرصة متاحة أمامنا ، وهي لناشئة الأمّة كاملة ، وللشيوخ [ كبار السنّ ] نصفها ، اعزموا الآن على التغيير ، رتّبوا الجداول ، ضعوا الأهداف ، ابدؤوا بالمهمّات ، وقبل ذلك : ميّزوا سبيل التغيير والتجديد عن سائر السّبل المتشابهة ، وأحسنوا المداخل ، فمن أخطأ المدخل أضاع المقصد .
هذا كتابي إليكم والنّذير لكم         فمن رأى مثل ذا رأياً ومن سمعا
لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل     فاستيقظوا إنّ خير القول ما نفعا [7]
وأخيراً أقول لكلّ من له تعلّق بالأخبار والتأريخ :
يا راوي التــــاريخ إنّ زمــاننا                 قد ساده ضعف القُرون وذامها [8]
فارحم جُدوداً قد رضوا من حالهم           أن صار في أيدي العدوّ زمامها
واستر شباباً لم يكن في علمهم              أن كان في مثل الزّمان مُقامها
…………………..
الهوامش
[1] البقرة 134 .
[2] البيت للقيط بن يعمر الإيادي .
[3] بالصّوماليّة ” nin buka boqol u talisay “
[4] الشّعراء 84 .
[5] الصافات 78 ، 108 ، 129 .
[6] الشرح 4 .
[7] الأبيات للقيط .
[8] الذيم والذام : العيب ، في معلّقة لبيد ( وكثيرة غرباؤها مجهولة…. تُرجى نوافلها ويُخشى ذامها )

أثر الاستدعاء السّلبي لوقت السّاعة وعلاماتها في ضعف الأمّة [2]

إن المتتبّع لتاريخ الأمّة يقف على أخبار محزنة متشابهة تعزو للأمّة في زمن ضعفها ، تتعلّق بمناحي مختلفة من الحياة ، منها الاعتقادات الخاطئة ، وفي صميمها هذه الظّاهرة الّتي نحن بصدد الحديث عنها ، وسآخذ هنا مثالين من التّاريخ والواقع :
المثال الأوّل : ظهر هذا الاعتقاد في المسلمين بعد سقوط بغداد على يد التتار الهمجيّين ، وسيطر على كثير منهم حتى ما عادوا يتكلمون إلّا فيه ، وانتشر بين النّاس بسرعة عجيبة ، والناس من عادتها أنها تحب دائماً أن تستمع إلى الغريب .
لقد ظهر اعتقاد أن خروج التتار وهزيمة المسلمين وسقوط بغداد ما هي إلا علامات للساعة ، وأن المهدي سيخرج قريبا جدّاً ليقود جيوش المسلمين للانتصار على التتار .. !! [1]
المثال الثاني : مُقابلة بُثّت في قناة الأقصى [2] قبل سبع سنوات تقريباً ، يتحدّث فيه شخص عليه سيما علمٍ – مثله يثق فيه ناسٌ كثر – يدّعي ويجزم ظهور الشاب الّذي سيقتله الدجال ، مُعتمداً على أخبارٍ سماعيّة .
وقد كثر في الآونة الأخيرة في المواقع الثّقافيّة ، ومواقع التواصل الاجتماعي – بأيّ غرض كانت – ادّعاء ظهور علامة من علامات السّاعة الكبرى ، وربّما ينسبونه إلى بعض المشاهير ليثق النّاس في الخبر ، ولا شكّ أنّ هذا يؤثّر سلباً على القارئين والمتابعين ، كما أشرنا إليه سابقاً .
وتجد الأمر شائعاً في أوساط المجتمع – المثقف منه وغيره – ، فتراه مُتبادراً إلى منطقهم عند الحديث عن مُصاب الأمّة الإسلاميّة ، وكأنّنا قد رضينا عن وقوع الهلاك الدّنيوي بدل العيش في مثل هذا الزّمان الّذي ساد الضّعف على الأمّة ، وبُحنا عن عدم مقدرة إقامة الأمور على مجراها السّابق .
وهذا متعارض مع المبادئ الّتي تدعو إليه الشّريعة في الحياة ، وهو تنازل عن الاستخلاف الربّاني في الأرض ، وانهزام أمام المناوئ اللدود ، وبصمة عار على جبين أهل الزّمان من الأمّة .
والأمة لا تصير أمة إلّا بقلبها وقالبها ، فإذا تعذّر أحدهما امتنع الآخر ، والاعتقاد الخاطئ في علامات السّاعة ، والتواكل عن الإقدام في التغيير لأجل الاتكال عليها ؛ يُضعف الأمّة قلباً لا قالباً ، ولا يمكن لها مع هذا الاعتقاد نجاح وتقدّم.
أثر دعوات تحديد وقت السّاعة في ضعف الأمّة :
ظهرت الادّعاءات في معرفة وقت قيام السّاعة منذ أمدٍ بعيد ، وتوارثتها الأجيال بشكل فُراديّ – مع ضعفٍ في التّركة لعدم نهوض الحجة مع الدّليل القاطع في نفي علم وقتها – .
 ووُضعت لتقوية الادّعاءات أحاديث وآثار ، ودُعّمت بالظن والحسبان ، ومأثورات غير صريحة التّبيان .
ولعلّ من أقدم من حدّد وقتها من العلماء الطّبري – رحمه الله – [3] ، فقد استظهر أنّ بقاء الدّنيا منذ ظهور ملّة محمّد صلى الله عليه وسلّم خمسمائة سنة .
ومنهم السّهيلي [4] ، وألّف السّيوطي في الباب ” الكشف عن مجاوزة هذه الأمّة الألف ” .
ونهج نهجهم من المُعاصرين جمع من أبرز من كتب فيه : أمين جمال الدّين في كتابه ” عمر أمة الإسلام . [5]
ولست هنا لعرض الآراء والحجج والتّرجيح بينها – وقد فعله قوم يُرجع إلى كتاباتهم – ، وإنّما المُراد أنّ هذه الظّاهرة كسابقتها موجودة – سواء صدرت عن العُلماء ، أو الفلكيين والمنجّمين ، أو الكهّان والمشعوذين – .
وهذه الظّاهرة وإن كان لها تأثيرها السّلبي إلّا أنّها أقلّ تأثيراً من سابقتها وذلك يعود إلى :
  • جهل أكثر النّاس بمثل هذه الادّعاءات ، وخلوّ أذهانهم منها ، والمجهول كالمعدوم في التأثر به وعدمه .
  • عدم مقاومة حجج المُحدّدين لقواطع الأدلّة الدّالّة على استئثار الله بعلمها ( إنما علمها عند ربي )[6] و ( ما المسئول عنها بأعلم من السّائل )[7] .
  • قلّة المتبنّين لهذه الفكرة – قديماً وحديثاً .
  • تلاشي بعض الادّعاءات بمجاوزة الوقت المُحدَّد لقيام السّاعة في الادّعاء ، ما سحَبَ الثّقة عما ضارعها من الآراء .
وأمّا ناحية التأثير السّلبي لهذه الأفكار في الأمّة فواضحة ، فالمسجون المحكوم عليه بالإعدام في قبضة الدّولة أو عدوّه ، يخلع رداء الأمل ، والفكر في بناء المستقبل ، ويجمع كلّ همّه على طريقةٍ للفكاك عن القيد ، والرّجوع إلى الحياة ، ويعتبر نفسه ميّتا وهو حيّ ومفقوداً وهو موجود ، ويقطع النّاس الأمل فيه ، فلا يتعاملون معه بالمعاملات المستقبليّة ، كعقد النّكاح ، والدّين ، وقبول ضمانه ، ونحو ذلك .
وحال الأمّة الّتي أُعلمت بوقت نهايتها كحال هذا المسجون ، لذا كان من حِكم إخفاء وقت السّاعة أن لا ينقطع الأمل في الحياة الّذي يسبّب الانهيار الكامل للفرد والمجتمع ، ويُضعف القيام بمسؤوليّات الخلافة الربّانيّة الكونيّة في الأرض .
وللمثال ، فقد حدّد السّيوطي – رحمه الله – عمر أمّة محمّد – الّتي بنهايتها ينتهي الكون – بأقلّ من (1500) سنة قمريّة[8] ، وإذا استجبنا لهذا القول فإنّنا الآن – في سنة 1437 ه – على شفا قيام السّاعة ، فلم يبق منها إلّا (63) سنة قمريّة ، أو أقلّ .
وعليه فإنّ خروج المهدي ونزول عيسى في غضون هذه السّنوات أو بعدها مباشرة ، وكذلك فتنة الدجال وخروج يأجوج ومأجوج .
 وهذا يدعو إلى القعود عن العمل والنّهضة ، وعدم التخطيط لمائة سنة أخرى ، ومهما كان من فساد موجود اليوم فسيعقبه قريباً صلاح زمن عيسى – عليه السّلام – والمهدي ، أو صلاح فسيعقبه قريباً فساد الدجال ويأجوج ومأجوج ، ” ففيم العمل إذاً ؟ ” .
المُعين على سدّ هذه الظواهر ورفعها :
وفي ختام المطاف أُقدّم بعض التّدابير الواقية من الوقوع في شرك مثل هذه الظّواهر :
  • تحقيق فقه النّصوص الشرعيّة المأثورة ، والعلم بالواقع الّذي تؤدّي إليه الآراء والاجتهادات النّابعة عن الظن والحُسبان .
  • تقديم الموضوعات المتعلّقة بأشراط السّاعة بصورة إيجابيّة وذلك بتقديمها بشكل يبعث في النّفس الرّجاء مع الخوف ، والتأكيد على عدم الاتكال برؤية هذه العلامات ، وعدم الاشتغال بها أكثر من اللازم ، كتتبّعها ، وإخراج الأخبار المخبيّة في الزّوايا المتعلّقة بها .
  • عدم استعجال تطبيق المأثورات في أشراط السّاعة على الواقع ، لاسيّما الأمارات الكبرى منها ، وإحالة ذلك إلى أهل العلم والذّكر والاجتهاد .
  • غض النّظر عن الإعلانات الغير موثوقة في مثل هذا الباب ، والّتي تتوفّر في الشبكة العنكبوتيّة .
  • الإيمان بأنّ هذه العلامات ليست إلّا إيذاناً لقرب قيام السّاعة ، وأنّها لا أثر لها في الجملة على الحياة الدّنيا ، ما لم تظهر العلامات الكُبرى حقيقة .
  • الاعتبار بالماضيين ممّن اغترّ بهذه الظّواهر ، وقعد عن النّهوض ، واسترجاع الحقوق ، ثمّ ما لبث ظنّهم حتى خاب بأقرب ممّا كانوا يتوقّعونه .
  • العلم بأنّ مهمّة إيجادنا في الكون هو عبادة الله المؤدّية إلى تهيئة مكان العبادة – الأرض – لتكون صالحة لكمال العبادة ، وهذا يحصل بالقيام على أمور الأرض كلّها من تعمير ، وتسييس ، وتدبير ، وإصلاحٍ .
……………………………………………………
  • الهوامش
[1] أورده السرجاني في قصة التتار صـ 168 ، ولم أطلعها بعد في المراجع التاريخيّة .
[2] يُقال : أن القناة اعتذرت عن بث المقابلة ، وهو موجود في اليوتيوب بعنوان ” ظهور الشاب الّذي سيقتله الدجال “
[3] تاريخ الأمم والملوك 1/ 17 ط: المعارف ومقدمة ابن خلدون 1/547 .
[4] الرّوض الأنف 4/419 ت: الوكيل ، ونقض كلامهما ابن خلدون في المرجع السّابق ، والصنعاني في رسالة شريفة 30 وغيرهما .
[5] ويوجد في اليوتيوب مقطع متداول لأستاذ سوداني يدّعي علم وقت قيام السّاعة .
[6] الأعراف 187
[7] البخاري ومسلم .
[8] الكشف عن مجاوزة هذه الأمّة الألف للسيوطي ( آخر عهدي به مخطوطاً )

أثر الاستدعاء السّلبي لوقت السّاعة وعلاماتها في ضعف الأمّة [1]

إنّ ممّا اتّفقت عليه الأديان السّماويّة – الصّحيحة منها والمحرّفة – أنّ لهذا الكون نهاية ، وأنّ البشر سيعودون يوماً ما إلى خالقهم ويُحاسبون – مع اختلافهم في تفاصيل النّهاية والبعث والنّشور والجنّة والنّار – ، ويعتقدون أنّ لها أمارات تحصل قبل قيام السّاعة ، مثل : خروج المهدي ، ونزول عيسى ، والدابة، والدجال ، وغيرها عند المسلمين ، وخروج المسيح من بني إسرائيل ، والدجال عند اليهود ، وعودة المسيح ، ومعركة ” هرمجدون ” أو ” سهل مجيدون ” النهائيّة عند النّصارى .
وفي هذا يقول ابن القيم :” والأمم الثّلاث تنتظر منتظراً يخرج في آخر الزّمان فإنّهم وُعدوا به في كلّ ملّة …” [1]
وبما أنّ الأديان السّابقة – قبل التّحريف – أثبتت شيئا من علامات السّاعة ، فإن الإسلام جاء لتأكيد تلك العلامات وإضافة أخرى لم تُذكر في الشّرائع السّابقة .
وقد قصد الإسلام من وراء ذلك عددا من الأمور المهمّة منها :
  • تحقيق كمال الإيمان باعتقاد ركن من أركانه يتمثل في أشراط السّاعة كمقدّمة من مقدّمات اليوم الآخر .
  • تأثير الشخصيّة المسلمة من خلال هذه الأشراط ، وذلك باتباعه الأوامر واجتنابه النّواهي المتأتّي من علمه بانتهاء العالَم ورجوعه إلى من يحاسبه .
  • تحقيق العلم بأنّ الأمم لا تدوم على حال من فساد أو صلاح ، فمهما كان من صلاح فسيعقبه فساد أُخبر عنه قُبيل السّاعة ، ومهما كان من فساد فلا بدّ من تجدّد صلاح في يوم ما قُبيل السّاعة .
  • وبما أنّ الإنسان مشرئبّ دائماً إلى إدراك الحقائق في كلّ ما هو معلوم ، فقد كانت أشراط السّاعة لمحة علمٍ بسيطة عن أمرٍ غُيّب عنهم تماماً وهو وقت قيام السّاعة .
هذه الأمور وغيرها توضّح شيئا من فقه أشراط السّاعة ، ومن فقُه فيها يجزم أنّ أمارات السّاعة تساعد الفرد والمجتمع للنّهوض من الحال المأساويّة إن كانوا في وقت فساد ، أو التمسّك بحال الإيمان والنّعم إن كانوا في وقت صلاح .
ومع هذا فلا يُعدم في مثل هذه الأمور من يذهب بها إلى غير مجراها بعلم أو بغير علم ، تارةً بالجفاء عنها وإنكارها والتمرّد أمام المنقول فيها ، وتارةً بالغلوّ فيها وتتبّع المخفيّ منها ومحاولة إنزالها على واقعٍ ما .
وقد كثرت المحاجّة مع المتقزّمين في الرّأي الأوّل ، وقلّت مع الأكثر خطراً في السّاحتين العلميّة والاجتماعيّة ، وبناء عليه أسلّط الضّوء على أثر هذه الفئة أو بعبارة أخرى أثر الاعتقادات الخاطئة في علامات السّاعة ووقتها على الأمّة الإسلاميّة ، مُقتصراً على أمرين :
الأوّل : أثر الاستدعاء السّلبي للسّاعة وعلاماتها في ضعف الأمّة .
الثاني: أثر دعوات تحديد وقت السّاعة في ضعف الأمّة .
وقبل الشّروع أنبّه على : أنّ مثل هذا الموضوع يسع لكتيب مفرد أو بحث مُحكم – ولم أرى حسب علمي مكتوبا عنه – ، ولكنّي سأقف معه هنا وقفات – وعلّ الله يُحدث همّة في جمع كتاب فيه – .
أثر الاستدعاء السّلبي للسّاعة وعلاماتها في ضعف الأمّة :
إنّ علامات السّاعة – وكما ذكرنا – واقعة لا محالة ، صغاراً كانت أم كباراً ، وقد كان الحديث عنها مُمتدّا من يوم البوح عنها في العهد النّبوي إلى اليوم وسيظلّ كذلك .
وموقف المسلمين منها واحد – في الجملة – وهو الإيمان بها ، وانتظارها كشيء مُخبر عنه لا غير ، يصاحبه أحداث وفتن عظيمة ولأجلها أُمر بالاستعاذة من بعضها مثل خروج الدجّال وشرّه ، وبما أنّ المرء لا يعرف ما يُختم له إذا بلغ تلك الأيّام لم تكن الرّغبة في استعجالها مطلباً شرعيّا .
ولا شكّ في أنّ الترغيب والترهيب في أخبار هذه الأمارات ، وذكر الواقع منها ، والاقتراب من باقيها مع مضيّ الزّمن ؛ يساعد في هضم النفس ، وينفع في عظة النّاس بها ، للانزجار عن مخالفة الخطاب الشّرعي .
بيد أنّ استخدامها كمطرقةٍ على التغيّر من الأسوأ ، وحجابٍ سادلٍ على الغيرة الشّرفيّة ، ألحق على حسابات الأمّة هزائم ساحقة في الواقع والتّاريخ .
فقد أصبح النّاس يتواكلون في أمر السّير قُدماً مترقّبين قيام علامات السّاعة ، ومن لم يتفوّه هذا بفمه وجد في قلبه أثر ذلك .
وأسباب ذلك كثيرة من أهمّها :
  • التدهور الحياتي والنّظامي ، فمن سنن الأمم أنّها عند سقوطها تستحدث خرافات تسلّيها عن نفسها وتتمسّح بها عن وصمة العار والسّقوط الّذي لحقها ، وحاشا أن تكون علامات السّاعات من هذا الباب ولكن تحديدها كالإخبار بولادة المهدي أو الطفل الّذي سيقتله الدجال ، ونحو ذلك ، من الخرافات .
  • العجز واليأس عن المُضيّ نحو التغيُر ، فمن رأى الهزيمة على قومه ولم يستشرف على منفذ للخروج ، وفي نفس الوقت يرى تقدّم مناوئيه ، ويرى الفارق الكبير بينه وبينهم ، يطفق في التفكير العكسي أو الانحرافي عن اتجاهه ، ويفكّر في طرقٍ لتبرير الاستسلام .
  • تجنّب الأعباء الثّقيلة جرّاء محاولة التغيير ، والاعتذار بعدم نفعيّتها لقرب حصول ما يضادّها أو إتيان من ينفّذها على الوجه الأليق ، وذلك عند قيام علامات السّاعة الكبرى .
  • وهناك أغراض دينيّة ترغيبيّة أو ترهيبيّة لردع النّاس عن المنكرات والمعاصي ، وهو وإن كان غرضاً جميلاً بحدّ ذاته إلّا أن ما يتبعه من المبالغات التبشيريّة أو التحذيريّة – كرؤية الجساسة ، أو العلم بمكان المهدي – ، يؤدّي إلى اعتقاد خاطئ عن مجرى الحياة .
وقد تنبّه بعض رموز الأمّة إلى خطورة هذا الأمر في حياة الدّاخل الإسلامي فحذّروا منها :
منهم العلّامة محمّد رشيد رضا في مقالٍ له في مجلّة المنار [2] عنوانه ” الحيرة والغمّة ومناشئهما في الأمّة ” ، وقد عدّ هذا الاعتقاد الخاطئ قديماً في الأمّة – كما سنبيّنه في الكلام عن مظاهر هذا الاعتقاد – .
قال رحمه الله :” قد أشرنا في مقدمة العدد الأول من (المنار) إلى أكثر المسائل التي لبَّست على
الأمة الحق بالباطل، وشَبَّهت الرشاد بالغيّ، وشرحنا كثيرًا منها في مقالات مطولة بعد ذلك، ونُقَسِّم ما نذكره ههنا إلى قسمين: قسم قديم العهد دخل أكثره على الأمة من باب الدين، فاخترق القلوب ونفذ إلى أعماق النفوس، وقسم حديث النشأة دمر على الأمة من باب التمدن العصري، أما الأول فمن أهم مسائله اعتقاد أن الأمة يجب أن تكون دائمًا في تَدَلٍّ وهبوط، وأن الترقي والتقدم مستحيلان؛ لأن هذا من علامات قرب الساعة، وهذا الاعتقاد فاش في المسلمين، ويروون فيه أخبارًا وآثارًا اشتبه على الجماهير صحيحها من سقيمها، وحقها من باطلها، ولا يمكن أن تنجح مع هذا الاعتقاد أمة، ومنها أنه ليس للمسلمين إلا نهضة واحدة تكون قبيل قيام الساعة على يد المهدي المنتظر الذى يُنصر بالكرامات والعجائب، لا بالقوة والعصبية، وهذا الاعتقاد قريب مما قبله في مضرته وفي شبهه وأدلته …. ” الخ
ولست هنا للنّقاش عن موقف رشيد رضا – رحمه الله – من بعض أشراط السّاعة – ولكلّ جواد كبوة – ، ولكنّ كلامه واقعي في تأثّر بعض النّاس السّلبي لعلامات السّاعة .
وللسرجاني كلامٌ جميلٌ عن الموضوع في كتابه قصة التتار [3]
الهوامش
………………………..
1] إغاثة اللهفان 2/338 ت : الفقي
[2] مجلّة المنار 2/754
[3] قصة التتار صـ 168 .

وقفة مع قصيدة “عجبا يحارب نفسه الصّومال “


وقفت على حين غرّة مني ديواناً يحمل اسم ” طفل مسلم من سراييفو والصّومال ” من شعر فيلق من فيالقة الشّعر المعاصرين خالد مصباح مظلوم ، فبحثت فيه بتلهّف وشوق غامر لأجد كلمات ذاك الطّفل البريء الصّومالي الّذي عبّر عنه الشّاعر بكلماته ، فلم يوافق شنّ طبقة، ولم أجد قصيدة توحي عن روح طفل يشكو ويتألّم ، ولكنّي بدلاً عنها وقفت على قصيدة العنوان ، قصيدة شاملة لخلجات إنسان ، وتأوّهات أرواح ، تقف الدّموع على مُقل العيون ، لتدرّ على صفحات الخدود .
في بادئ الأمر لم أعرها أثناء القراءة اهتماما ؛ لأنّها أُلّفت بعد سنة من مصيبة الصّومال الكبرى ( عام 1992) ، فكأنّ مشاعري كانت تهمس إليّ قائلة : شعر تاريخي أكثر من واقعي ، مضى له زهاء ربع قرن ؛ إلّا أنّها تلاشت بعد أن استقرّت العين على جُمل أصبحت في قلبي كرعدٍ فاجأ خائفاً يكبّ على زناد في أدغال ملتفّة ، تلك هي قوله :
الشرّ هذا منكمو وإليكمو *** وعليكمو يتواصل البَلبَالُ
كانت مطامحكم أشدّ تسامياً *** وغداً تدنّيكم هو الآمال
بعد أربع وعشرين سنة من هذا القول ، ما زالت الصّومال في تدنٍّ وتدهور ، كلّما بدا بريق أمل تآمرت عليه عصابات دجل .
يُفلق الشّاعر هامة شعره بكلمات توجز واقع البلد آنذاك ، ويصوّر ذاك الوضع المرير الّذي سيصطحبه للقارئ ذاكراً أنّ العظيم المُفتخر به ، الّذي يرجوه الجميع ويأمل الخير فيه ، إذا هوي بفعل جماعةٍ لاعقلانيّة ، ولم يتدارك الجمهور العاقل أمرهم لممّا يُقضى له العجب .
ثمّ يكرّ ويعدّد أسباب التدهور المفاجئ من نعرة قبليّة ، وتسلّط على كرسي ، وطغيان حكّام ، واستكثر من آهات النّدم وخطابات الترجي ، متوسّلاً بأواصر الرّحم والدّين .
والقصيدة تفسّر نفسها بنفسها ، ولا يحتاج قارئها إلى تبيين لاسيّما من يعيش الواقع الّذي تصفه ، وقبل بسط فرش القصيدة أُبرز إطلالة على القصيدة :
وهي أنّ القصيدة المكوّنة من ( 85 ) بيتاً الّتى رثاها الشّاعر السّوري بالصّومال قبل ربع قرن من الزّمان تصلح وأزيد منها أن تكون مرثية لإخواننا في بلاد الشام ( سوريّا ) – أصلح الله أحوالهم – وقد أُكلت الدّول الإسلاميّة يوم أكل الثّور الأبيض ، لم يكن يتصوّر الشّاعر الّذي صبّ صنوف اللّوم تارةً ، ودرر النّصح أخرى على الصّومال ؛ أنّ مسقط رأسه سيؤول إلى مثلها وأسو منها ، وإن لم نتدارك اليوم إصلاح ما خرب منّا كمسلمين سيتتابع الباقي على نفس المنوال – ونعوذ بالله من ذلك – .
وبعد هذه النّقطة أظنّ أنّ للنّفوس لهفاً بقراءة القصيدة ، وهزجاً لحكّ إنسان العين بها ، فلأترككم مع نبذة منها :
عجباً يحارب نفسه الصّومال *** وهو الّذي فخرت به الأجيال
عجباً دهته طغمة تختال *** وتظنّ أنّ جنونها استبسال
حربٌ وفوضى فاقةٌ وهزال *** وصراع أحزاب هو الصّومال
بسبيل ما يدعونه قبليّة *** قد مزّقوا أرحامهم وتقالوا
هي نعرة قبليّة منسوبة *** للجهل يسقط عندها الجهّال
بسبيل كرسيّ التسلّط دمّروا *** أمجادهم وعدُوّهم يختال
ماذا تقول لحاكمين أذلّهم *** ربي بما طمعوا به واحتالوا
من كان من يدهم مصائب نفسهم *** ماذا يقال بحقهم إن زالوا
استبدلوا قرباهمو بشقاقهم *** وهم بنو عم وهم أخوال
الوعي من قاموسهم محذوفة *** أمّا البديل الويل والإعوال
هدموا المزارع والمعامل والبنا *** وبنوا مقابر واستراح البال
قحط الطبيعة زاد قحط عقولهم *** وهم الجناة وشعبهم يغتال
أنفوا المحبة والتفاهم والهدى *** ساغوا الجهالة والغِوى وأطالو
ساغوا التزلّف للعدوّ بسؤله *** يأتي ويوقف حربهم ويطال
ساغوا دخول المشركين لأرضهم *** بدل التفاهم يا لهم جهّال
قاموا قديماً بالحضارة والعُلا *** واليوم تستهويهمُ الأغلال
واليوم كأس الماء أصبح ثروة *** واليوم ساد العُري والأسمال
وشهيد جوع لا شهيد معارك *** للّه قد جعلوك يا صومال
كلّ يقول بأنّه أسد الحمى *** هل يستوي القوّال والفعّال
أو ما يهزّهمو وفاة صغيرهم *** وأنين جيران لهم وسعال
الشرّ هذا منكمو وإليكمو *** وعليكمو يتواصل البَلبَالُ
كانت مطامحكم أشدّ تسامياً *** وغداً تدنّيكم هو الآمال
تبّت يدا قابيل يقتل أهله *** ويظنّ أنّه عاقل مفضال
ماذا نقول لمن يُعرّض أهله *** للجوع والبلوى أجب يا خال
إن كان حالهمو قديماً سيّئا *** أو ليس أسوأ منه هذي الحال
هذي المناظر من بلاد صُحّرت *** أرضاً وعقلاً كلّها أهوال
انظر إلى هذا الصغير وسربه *** أضلاعهم فوق الثّرى تنهال
وفتى تخشّب عوده ويفاعةٌ *** تُبدى على سيمائه وتُزال
الهيكل العظميّ يسعى ميّتا *** والميّتون بقربه أرتال
هل يا تراهم أغصن يبست على *** أعجازها أم إنهم أطلال
الشعب يفترش المذلّة والظما *** والفاسقون بطونهم أغوال
أسفي فما أم تشاهد لقمة *** لوليدها وعلى الظما تحتال
أو ما تؤرّقهم دموع رُقرقت *** من قلبها وحيالها الأطفال
من قبل كان لها نهود أرضعت *** نفس الرعاة وهم عليها بالوا
الموت أفضل من عذاب شعورها *** الموت أرحم من فتى يُغتال
أو ليس أمّ مثل هذي برّة *** بالنّسل يُجعل أجرها الإجلال
الأمّ رمز العطف يرفع شأنها *** نسل كريم اسمه الصّومال
يا أمّ يا شرف البريّة كلّها *** صبراً فصبحاً تهدأ الأحوال
وسيستجيب الله دعوتك التي *** ترجين فهو القادر الفعّال
صومال يا صومال يا بلد الهدى *** من قبل ، كيف تردّت الأحوال
صومال يا صومال رباطة الدّما *** والدّين تربط بيننا والمال
فلتخفضوا هاماتكم للحقّ يا *** قُوّاد فهو المُنقذ المِفضال
آن الأوان لكي تلمّوا شملكم *** من فوركم ويفارق البلبال
توبوا إلى الرّحمن ثوبوا للهدى *** وتغيّروا تتغيّر الأحوال
لا ييأس المخلوق من رحمانه *** كلّ الصّعاب بعونه ستزال
وبعد ، فالكلّ يعلم جزماً أنّ الوضع الصّومالي تحسّن من ذاك المرير الّذي ذاقه قبل سنوات إلّا أنّ مرارة آثاره ما زالت تختلج في أحشاء الشّعب المنهك ، وما زالت هناك فئة يقتفون آثار أبالسة الفتن ، كان الله في عون جميع المسلمين .

الجمعة، 23 سبتمبر 2016

مُختارات من تاريخ (بربره) في كتب مؤرّخي المسلمين


بَربَره[1] بفتح الباء والرّاء المهملة السّاكنة ثمّ باء ثانية وراءٌ أيضاً وهاء في الآخر ساكنة ،[2] ، أو بألف مقصورة في آخرها [3] من أشهر المُدن الصّوماليّة القديمة الّتي لم يندرس اسمها إلى الآن .
وكان هذا الاسم يُطلق سابقاً على :
1- أمّة كبيرة وقبائل كثيرة في بلاد المغرب .
2- أمة في آخر بلاد اليمن بين أرض الحبشة والزنج – وهي الواقعة في الصّومال حالياً - .
3- سوق بربر من أوساط الفسطاط في مصر ، نزلها قوم من بربر الغرب فسُمّي بهم .[4]
4- وحكى أبو عبد الله الزّهري ، أنّ الاسم يُطلق على قبيلة من جناوة ، تسكن غربيّ النّيل ، كان منهم أمير غانة ، ويدينون بالنّصرانيّة .[5]
وهناك الآن بعض القُرى الّتي تحمل هذا الاسم في فلسطين واليمن .
 وقد تكرّر اسم ( بربرة) الصّوماليّة على ألسنة الرّحالة والجغرافيّين والمؤرّخين المتقدّمين على الصعيدين الإسلامي والغربي ، لكونها قاعدة رئيسيّة لشعوب المِنطقة – الصّوماليّين - ، وخاصّة المناطق الشماليّة .
كما ذاع صيتها منذ عهود قديمة ، وانتشرت مُخرجاتها في البقاع المُجاورة ، وورد ذكرها في الأشعار الجاهليّة قبل الإسلام ، كقول امرئ القيس واصفاً فرسه في قصيدته الّتي نظم سبكها حين توجّه إلى قيصر مستنجداً به على ردّ مُلكه إليه والانتقام من بني أسد [6] :
على لاحب لا يهتدي بمناره          إذا ساقه العَود النّباطيّ جرجرا
على كلّ مقصوص الذّنابى معاود     بريد السُّرى باللّيل من خيل بربرا [7]
قال الأعلم الشنتمري في شرح ديوان امرئ القيس : " وخص خيل بربر لأنها كانت أصلب الخيل عندهم وأجودها " [8]
وفي قصيدة أُخرى له :
وبعد أبي في حصن كندة سيّداً     يسود جُموعاً من جيوش وبربرا
ويغزوا بأعراب اليمانيين كلّهم     له أمرهم حتى يُحلّ المُشقّرا [9]
ومع أنّ اسم ( بربرا) يُطلق أيضاً على أُمم أخرى – كما أسلفت الإشارة إليه – إلّا أنّ الدّالّ على مقصود امرئ القيس نصّان :
أوّلهما لأبي الحسن ابن سعيد المغربي حيث قال :" وبربرا قاعدة البرابر الّتي ذكر امرؤ القيس خيلهم ، ورقيقهم مستحسن ، وقد أسلم أكثرهم فلذلك عُدموا في بلاد الإسلام  " [10] ، ثمّ تكلّم عن نيل مقديشوا وبعض الأماكن الأخرى التابعة لبربرا .
والثاني لابن خلدون ، قال في تاريخه :" وبربرا قاعدة البرابر الّتي ذكرها امرؤ القيس في شعره وليسوا من البربر الّذي هم قبائل المغرب .."[11]
وهذا ما ورد في حاشية ديوان امرئ القيس الصّادر عن دار صادر [12] ، عند شرحهم البيت السّابق ، قالوا :" بربر أمة بين الحبوش والزّنج وكلّهم من ولد قيس عيلان "[13] ، ولم أقف على مصدر المعلومة الأخيرة ، والصّحيح أنّ البربر المنسوبين - عند بعض المؤرّخين - إلى قيس عيلان هم ساكنوا المغرب غرب النّيل ، كما حكاه المسعودي في مروجه وشيخ ربوة في نخبته [14]
ولمّا كان العرب الّذين يرتحلون إلى بربرا لا يفهمون من كلامهم شيئاً أطلقوا عليهم : أهل البربرة ، والبربرة الكلام السّريع المسموع من غضب قائله [15] .
ويُلاحظ القارئ للمكتوب عن بربرا أنّ المؤلّفين يختلفون في تحديد ما يُطلق عليه الاسم :
1- فبعضهم ُيطلقه ويقصد مدينة معيّنة في شرق أفريقيا ، أو في الحبشة – بالمصطلح القديم[16] – وأواخر اليمن ، انعكس اسمها على سائر المناطق المُجاورة لها ، وأنّها قاعدة البرابر كابن سعيد المغربي [17] .
2- وآخرون يرومون منه جزيرةً أو بلداً بين الحبشة والزنج واليمن على ساحل بحر اليمن ، متكوّناً من عدّة مُدن وقُرى ، وهم الأكثر  : كالمسعودي ، والحسن بن يعقوب الهمداني ، والحموي ، والبيروني ، والإدريسي، وابن خلدون ، والبكري ، والمقريزي ، وبامخرمة ، وابن سباهي زادة ، ،والحسني ، وغيرهم [18] .
ولعلّ أقدم من ذكر بلاد بربرة ( الصّوماليّة ) من الجغرافيّين المسلمين  هو أبو محمّد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني اليمني (تـ 336 ه )[19] وبعده مُعاصره الحسين بن علي المسعودي ( تـ 346ه)[20] خلافاً لما قاله محقّق قسم شمال أفريقيا وبلاد السّودان من كتاب أنس المهج للشّريف الإدريسي ، من أنّ أوّل من ذكرها محمد بن أحمد المقدسي (تـ381ه) في أحسن التّقاسيم [21] .
ومن الأوصاف والأخبار الّتي ذكرها المؤرّخون والجغرافيون عن بلاد بربرة ( الصّوماليّة ) [22] :
-                   لون بشرتهم السّوداء ، ولغتهم الخاصّة بهم.
-                   معيشتهم المبنيّة على صيد الوحوش كالزرافة ، والببرُ ، والكركدن ، والنمر ، والفيل ، وغيرها .
-                   صفة صيدهم : فقد كان عندهم نوعٌ من النّبت يشبه الخبّاز يجمعونه ويطبخونه ويستخرجون ماءه ثم يطبخونه حتى ينعقد ويصير كالزفت، فإذا أرادوا اختبار إحكامه جرح أحدهم ساقه فإذا سال دمه أخذ من ذلك السم قليلا وقرّبه من الدم في آخر سيلانه فإن كان قد أحكم طبخه تراجع الدم يطلب الجرح فيبادر ويقطعه قبل أن يصل إلى الجرح، فإنه إن دخل في الجرح أهلك صاحبه، وإن لم يتراجع الدم عاود طبخه إلى أن يرضاه، ثم يجعل منه شيئا في حقّ ويعلقه في وسطه ويكمن للوحش في شجر أو غيره فإذا رأى الوحش جعل على رأس نصله منه قليلا ثم يرمي الوحش فحينما يخالط هذا السّمّ دمه يموت، فيجيء إليه فيأخذ جلده أو قرنه أو نابه فيبيعه ويأكل لحمه فلا يضره [23] .
-                   قطع بعضهم مذاكير بعض ، وجعلها مهورة نسائهم [24] !! .
-                   سرقة بعضهم أولادَ بعض ، وبيعهم !! [25] .
-                   إسلام أكثر أهلها ، المُوجب لنفاد رقيقهم في بلاد الإسلام [26] ، وتباينَ قولُهم في وصف رقيقهم - قبل نفاده - : فحكى ابن سعيد المغربي أنّ رقيقهم كان مُستَحسناً [27] في حين أورد المقدسي وأقرّه عليه الإدريسي أنّهم كانوا شرّ أجناس الخدم !! .[28]

-                   سرعة العدو ، وعدم اغتذائهم بشيء سوى اللّبن واللحم ، وطيشهم [29] .
-                   تمذهبهم بالشافعيّة والزّيديّة ! [30] .
-                   ووصف الخليج البربري أو بحر بربرا ، وأحوال العمانيين الّذين كانوا يسافرون فيها المسعودي [31] ، وممّا ذكر أنّ الأزديّين من عرب عمّان كانوا إذا توسّطوا فيه وحفّتهم الأمواج يرتجزون قائلين :
بربرى وحفوني     وموجك المجنون
حفوني وبربرى    وموجها كما ترى
مُلاحظة : ينبغي التثبّت ، وتدقيق البحث في الأخبار الّتي يحكيها الجغرافيّون عن أهل المنطقة لأنّ أكثرهم لم يزوروا البلد ، وإنّما اكتفوا بأخبار القادمين إليهم منها كالتجار ، وهو ما أدّى إلى أن يحمل عليهم بعض متأخّري الجغرافيّين الغربيّين في دراساتهم عن المنطقة [32] .



[1] لم أتطرّق إلى ما كتبه الغربيّون أو الصّينيّون أو غيرهم عن بربرا ، ولعلّي سأكتب عنها شيئاً في حلقات هذه السّلسلة .
[2] النّسبة إلى المواضع والبلدان لبامخرمة صـ 99 .
[3] معجم ما استعجم 1/220 ، أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك 197 دار الغرب الإسلامي ، وهكذا وردت في شعر امرئ القيس المذكور بعده .
[4] المشترك وضعاً والمفترق صقعاً لياقوت الحموي صـ 41-42 ، وانظر النّسبة إلى المواضع والبلدان صـ 99 ، وتاريخ ابن خلدون 1/60 ، وقلائد الأجياد فيما اتفق في التسمية من البقاع والبلاد للحسني صـ 64 .
[5] الجغرافيا للزهري 126 ط: مكتبة الثقافة الدّينيّة .
[6] هي قصيدة طويلة مطلعها : ( سما لك شوقٌ بعدما كان أقصرا    وحلّت سُليمى فوٍّ فعرعرا )
[7] ديوان امرئ القيس ط: دار المعارف 66 .
[8] شرح ديوان امرئ القيس صـ 173 .
[9] ديوان امرئ القيس ط: دار المعارف 269 .
[10] كتاب الجغرافيا صـ 81 .
[11] تاريخ ابن خلدون 1/60 .
[12] طبعة دار صادر بيروت ، ولم أقف على اسم مُحقّق الكتاب .
[13] صـ 96 .
[14] مروج الذّهب 2/351 ، والنخبة صـ 351 ، دار إحياء التراث .
[15] ذكره شيخ ربوة في نخبة الدّهر صـ218 ، ولنفس السّبب سُمي برابرة المغرب " البربر " ذكره الحسن بن محمّد الزياتي في كتابه وصف أفريقيا صـ 42 [ ترجمه من الفرنسيّة المترجمة من الإيطاليّة : عبد الرّحمن حميدة ] ، ونقل عن آخرين سبباً آخر في سبب تسمية برابرة المغرب بهذا الاسم .
[16] وهذا ما يُفهم من تقعيد أبي عبد الله الزهري في كتاب الجغرافيا صـ 123 فقد قال : ( .. فما كان من السّودان وراء النّيل لناحية المشرق فهم الحبشة ، وما كان لناحية المغرب فهم النّوبة والزّنج وجناوة ) اهـ ، وقول المقدسي في أحسن التقاسيم 242 :" والحبش وراء زيلع "
[17] الجغرافيا للمغربي صـ 81 .
[18] مروج الذّهب 1/72 ، معجم البلدان للحموي  1/ 203 ، المشترك وَضعاً والمفترق صقعاً للحموي صـ 31-42 ، جنى الأزهار من الرّوض المِعطار للمقريزي صـ 21 ، تاريخ ابن خلدون 1/60 ، معجم ما استعجم 1/1/220 ، النّسبة إلى المواضع والبلدان لبامخرمة صـ 99، أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك لزادة صـ198 ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق 1/43 ، قلائد الأجياد للحسني صـ 64 ، والقانون للبيروني صـ548 .
[19] حكاه عنه الحموي في معجمه 1/370
[20] مروج الذّهب 1/72 ، والتنبيه والإشراف له صـ51 .
[21] صـ 242 ، ذكره محقّق صـ 134 .
[22] ينبغي التثبّت وتدقيق البحث في الأخبار الّتي يحكيها الجغرافيّون عن أهل المنطقة لأنّ كثيراً منهم لم يزوروا البلد ، وإنّما اكتفوا باستخبار القادمين منها كالتجار .
[23] حكى ذلك عنهم الهمداني وتقله عنه الحموي في معجمه 1/293 ، وعنه نقلت الأخبار والصّفات السّابقة .
[24] ذكرهذا عنهم الحموي في المشترك 41-42 ، وفي المعجم السّابق .
[25] جنى الأزهار للمقريزي صـ21 .
[26] الجغرافيا لابن سعيد صـ81 أوضح المسالك لابن سباهي زادة صـ198 ، وذكر فشوّ الإسلام فيهم ابن خلدون في تاريخه 1/60 ، وبامخرمة في النّسبة إلى المواضع والبلدان صـ99.
[27] المصدر السّابق .
[28] أحسن التقاسيم 242 ، " أنس المهج وروض الفرج الفُرج " 134 .
[29] النّسبة إلى المواضع والبلدان لبامخرمة صـ 99 .
[30] نخبة الدّهر في عجائب البر والبحر لشيخ ربوة صـ 218
[31] مروج الذّهب 1/72 ت: البقاعي .
[32] انظر مثلاً : سلطنة عمان وأفريقيا الشّرقيّة ، للأميرال الفرنسي المسيو جيان 96-106 .